يكتبه: د. ناصر بن علي الجهوري|
في ظل التنافس العالمي المتصاعد لاستقطاب السائحين، تبرز سلطنة عُمان كوجهة سياحية واعدة، تحمل رؤية استراتيجية تهدف إلى تسليط الضوء على مقوماتها الطبيعية الخلابة وتراثها الثقافي العريق. وتتميز السلطنة بثراء بيئي متنوع يمتد من الجبال الشاهقة والصحاري الواسعة إلى السواحل البحرية الخلابة، إضافة إلى حضارتها الممتدة عبر آلاف السنين. ومن بين أبرز هذه المقومات التي تجعل تجربة زيارة عُمان فريدة ومتميزة، سهولة الاندماج الاجتماعي التي تشكل جزءا متجذرا من الشخصية العُمانية، وتعبر عن ركيزة أساسية من ركائز القوة الناعمة لسلطنة عُمان، والتي تستحق استثماراً استراتيجياً دقيقاً يُسهم في تعزيز مكانتها في السوق السياحي العالمي ويُعزز من تنافسيتها في جذب السياح الباحثين عن تجارب أصيلة.
خريطة طريق للاستثمار الاستراتيجي
في ظل ما تزخر به سلطنة عُمان من كنوز ثقافية، وتراث إنساني متجذر، وبيئة طبيعية متنوّعة، تبرز الحاجة إلى تحويل هذه المكونات المجتمعية إلى رافد اقتصادي حيوي، يدعم التنمية المستدامة، ويُعزز الهوية الوطنية في آنٍ معا. ولتحقيق هذا الهدف، نقترح المسارات الاستراتيجية التالية:
(1) تسويق الهوية العُمانية: يتطلب تعزيز التنافسية السياحية لسلطنة عُمان تبني رؤية تسويقية حديثة تُبرز الخصوصية العُمانية من خلال القصص والتجارب الإنسانية الأصيلة، لا عبر الترويج النمطي للوجهات فقط. ويمكن للمبادرات المجتمعية، مثل: “ضيف على أهل عُمان”، أن تلعب دورًا محوريًا في إيجاد جسور تواصل وجداني بين الزوار والمجتمع المحلي، حيث تُقدَّم الضيافة كقيمة ثقافية، لا مجرد خدمة تجارية. إن تسويق الروح العُمانية، بطابعها النبيل، هو رهان رابح في زمن يبحث فيه السائح عن العمق الإنساني لا مجرد الصور الجمالية.
(2) تمكين المجتمعات المحلية: لكي تنجح السياحة المجتمعية، لا بد من بناء قدرات محلية مستدامة، ويشمل ذلك: تدريب الشباب في القرى والولايات على إدارة المشاريع السياحية الصغيرة، وتقديم دعم تقني وتمويلي من الجهات الحكومية والخاصة، وإحياء الحارات القديمة والأسواق التقليدية وتحويلها إلى مراكز جذب سياحي. وتُعد تجربة حارة العقر في ولاية نزوى نموذجاً متميزاً، حيث تم دمج عناصر التراث المعماري والأنشطة الثقافية في مشروع يحظى باهتمام كبير، مع الحفاظ على طابع الحي وأصالته. مثل هذه النماذج ينبغي توسيعها وتكرارها في ولايات أخرى، مع احترام خصوصيات كل منطقة.
(3) ربط البرامج التنموية: يتطلب تحقيق التأثير الاقتصادي المنشود دمج السياحة المجتمعية في مخططات التنمية المحلية، وليس التعامل معها كمبادرات جانبية. ويشمل ذلك: إدراج مشاريع السياحة المجتمعية في استراتيجيات المحافظات، وتوفير بنود مخصصة لدعمها ضمن الميزانيات التنموية، والتنسيق بين الجهات المختصة في السياحة، البلديات، التراث، والبيئة لتقديم ممكنات تشريعية وإدارية فعّالة. إن السياحة المجتمعية ليست قطاعًا ترفيهيًا، بل أداة تنموية شاملة، قادرة على إيجاد فرص العمل، وتفعيل الطاقات المحلية، وتحقيق التوازن بين التقدم الاقتصادي والحفاظ على الهوية.
(4) الاستثمار في البنية الأساسية: إنّ تطوير المرافق السياحية في المناطق ذات الإمكانات غير المستثمرة يمثل أولوية استراتيجية، ومن المناطق الواعدة في هذا السياق على سبيل المثال: نيابة طيوي بما تتميز به من طبيعة خلابة، والجبل الشرقي بما يملكه من مقومات بيئية ومناخية مثالية للسياحة الصيفية، والقرى الجبلية في الحجر الغربي حيث تتداخل الزراعة، والطبيعة، والتقاليد الأصيلة في مشهد سياحي فريد. حيث ينبغي أن يشمل الاستثمار السياحي في تلك المناطق: تحسين شبكات الطرق والخدمات الأساسية، وإنشاء مرافق عامة، ومراكز إرشاد بيئي وثقافي، وتشجيع ريادة الأعمال المحلية في تقديم الإقامة المنزلية، والطعام التقليدي، والأنشطة الثقافية المتنوعة.
الأثر الاقتصادي المتوقع
تتبنّي رؤية عُمان (2040) هدف استراتيجي طموح يتمثل في رفع مساهمة القطاع السياحي في الناتج المحلي الإجمالي، كأحد المسارات الرئيسية لتنويع الاقتصاد الوطني وتقليل الاعتماد على العوائد النفطية. ومن أبرز المؤشرات المستهدفة في هذا السياق: توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في قطاع السياحة، وزيادة أعداد الزوار السنويين، مع التركيز على تطوير أنماط سياحية نوعية، مثل السياحة البيئية، والثقافية، والمجتمعية. ويُتوقع أن تسهم السياحة المجتمعية على وجه الخصوص في تعزيز الدخل المحلي للأسر الريفية، وتنشيط الاقتصاد الدائري داخل المجتمعات الصغيرة، فضلًا عن بناء شراكات تعاونية فاعلة بين السكان المحليين والمؤسسات الحكومية والخاصة.
خلاصة
إنّ الروح الإنسانية، ممثلةً في سهولة الاندماج الاجتماعي والقيم العمانية التي لا تزال تنبض في تفاصيل الحياة اليومية العُمانية، هي جوهر تفرد سلطنة عُمان وشعبها الكريم، وتشكل إحدى أقوى أدواتها في المنافسة السياحية، متى ما تم توظيفها بوعي، وتقدير، واحتراف.
يقول الرحالة برترام توماس (Bertram Thomas) في مذكراته عن زيارته لعُمان في ثلاثينيات القرن الماضي:
“قد تبهرك الأرض في عُمان، لكن الذي يأسر قلبك هو طيبة أهلها”
وعليه، فسهولة الاندماج الاجتماعي، والقيم العُمانية الأصيلة، ليست مجرد موروثٍ ثقافيّ فحسب، بل هي رصيد حيّ يمكن استثماره بذكاء في بناء اقتصاد مزدهر ومجتمع منفتح يحتضن الجميع.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة