يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|
الرحمة ليست خُلقاً عابراً نمارسه في لحظات التعاطف، بل هي منهج حياة، ومفتاح عدل، وميزان حضارة. وإذا أردنا أن نُصلح مؤسساتنا، ونُجدد علاقتنا ببعضنا، فلابد أن نبدأ من هذا الخُلق العظيم الذي به أرسل الله الرسل، وبه نزلت الكتب، وبه تُوزن الأمم.
حين كنت مسؤولاً، كنت أظن أن العدالة تكفي. لكني اليوم، وأنا واحد من الناس، أدركت أن العدالة وحدها قد تُنصف، لكنها لا تُضمِّد، وقد تُقوِّم، لكنها لا تُقرِّب، أما الرحمة، فهي التي تُلهم القرار وجهه الإنساني، وتمنح الإدارة قلبًا، والمعاملة روحا.
الرحمة بين المسؤول والمواطن ليست منّة، بل واجب، هي أن تستشعر وأنت في منصبك أنك خُدمت لتخدم، وأُعطيت لتُعطي، وأن كل توقيع تؤجله، قد يُوجِع قلبا، ويُعطّل رزقا، ويغلق بابًا كان الله قد فتحه.. أما الرحمة بين الموظف وطالب الخدمة، فهي المحكّ اليومي للأخلاق. ليس مطلوبا من الموظف أن ينجز المستحيل، ولكن مطلوبٌ منه أن لا يُطفئ الأمل في عيون الناس. أن يستقبلهم بوجهٍ طلق، وأن يُراعي ضيق وقتهم كما يُراعي دقة النظام، وأن يتذكّر أن الأوراق التي على مكتبه، ليست مجرد ملفات، بل قصص ناسٍ يسعون.
ثم هناك الرحمة الأعمق، التي نكاد نغفل عنها: الرحمة بين الأرحام. بين ابنٍ وأمه، وأخٍ وأخته، وبين ابن العم وابن الخال والجار والصاحب. ما بالنا نشكو قسوة الحياة، وقد قسونا على بعضنا؟. ما بال الرحم تُقاطع من أجل مالٍ، أو خلافٍ، أو كلمة عابرة؟. وقد قال رسولنا الكريم: “ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل من إذا قُطعت رحمه وصلها”.
إذا أردنا أن ننهض مجتمعا ومؤسسات، فعلينا أن نُعيد الاعتبار لهذا الخُلق. أن نجعل من منهج الرحمة سياسة داخل الدوائر، وأسلوبا في التعليم، ومبدأ في الإعلام، وسلوكاً في الأسرة، وحديثاً في المجالس، وغاية في التشريع. نعم، نحتاج إلى أنظمة قوية، ومؤسسات منضبطة، لكننا بحاجة أكبر إلى قلبٍ يربط بين الماديات والغايات، بين القانون والإنسان. اليوم، وبعد أن جلستُ في الطابور، دون سلطة ولا تعريف، شعرت بثقل المعاناة التي يمر بها الناس كل يوم. وشعرت كم كنت بحاجة، لا إلى الكرسي، بل إلى الرحمة.
فلنزرعها بيننا، لا نطلبها من الأعلى فقط، بل نبدأ بها نحن، في أبسط تعامل، وأقرب رحم، وأصغر موقف، فبها تتغير النفوس، وتلين القلوب، وتُبنى الأوطان.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة