مقال| سارية الخوير ورفعة العَلم

يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|

في مساء الخميس الماضي، هبت نسمات مسقط على علمٍ لا يُشبه سواه، خُطّت ألوانه من مداد التاريخ، وغُزل نسيجه من صبر الجبال ونقاء البحر، ثم رُفع على ساريةٍ تناطح السحاب بارتفاعها البالغ 126 مترا، هناك، في حي الوزارات بالخوير، حيث تلتقي الجغرافيا بالسيادة، وتتناغم الدولة مع الرمز.

 ليس ما يُدشّن مجرّد هيكل معدني أو عمل إنشائي ضخم، بل هو معلم سيادي وسياحي، ينضم إلى خريطة الرموز الوطنية التي تؤثث الذاكرة البصرية لعُمان، وتمنح زوارها لمحة عن روح هذا الوطن الهادئ، المتأصل، والضارب في جذور التاريخ.

 من أعلى السارية سيرفرف العلم العُماني، خافقا كما عهدناه، في مشهد ليس فقط للعيون، بل للقلوب التي لا تزال ترى في الراية أكثر من ألوانٍ وخطوط. ترى فيها شموخ البلاد، واستقلال القرار، وحكمة السلاطين. إن 126 مترا ليست رقما فنيا نفاخر به في سجلات الأرقام القياسية، بل هي إعلانٌ صامت بأن هذا الوطن لا يرضى إلا بالعُلا، وأن رموزه تُنصب حيث لا تجرؤ الريح على الانحناء.

حي الوزارات، قلب الدولة الإداري، يستحيل بهذه السارية إلى قلبٍ رمزي نابض، يتوسط العاصمة ويحتضن أعلى رموزها.. هناك، بين البنية المؤسساتية لعُمان الحديثة، يعلو العلم ليذكّر الجميع أن ما يجمع فوق ما يفرّق، وأن فوق المكاتب، والمراسيم، والاجتماعات، ثمة رايةٌ واحدة، ومصيرٌ واحد، وسقفٌ اسمه الوطن. 

في زمن تشتدّ فيه الحاجة إلى روافد اقتصادية غير تقليدية، تأتي هذه السارية كمعلم سياحي نوعي، يُثري تجربة الزائر، ويضيف إلى مشهد السياحة الوطنية بُعدا عاطفيا وجماليا. فمن يقصد العاصمة، لا بد أن يقف هناك، في تلك الساحة، يرفع رأسه نحو السماء ليتأمل علَما يشهد على قرونٍ من المجد البحري، والحضاري، والسياسي. 

وما يزيد هذا المعلم أهمية، هو محيطه الحضاري، إذ صُمّم ليكون أكثر من مجرد سارية. مسطحات خضراء، منصات رؤية، فضاءات للاحتفال، ومركز صغير لتاريخ العلم العُماني وتطوراته منذ عهد الإمام وحتى بزوغ نهضة 1970، ثم الرؤية المتجددة في عهد السلطان هيثم بن طارق، حفظه الله ورعاه.

سيصبح هذا المعلم مساحةً تتعانق فيها الأجيال، يلتقط عندها الأطفال صور تخرّجهم، ويؤدي الجنود قسم الولاء تحت ظل العلم، ويصطف المواطنون عندها في الأعياد وهم يرددون “فلتسلمي يا عُمان”. 

إنه نقطة تقاطع بين الجمال والانتماء، بين البصر والبصيرة، بين التاريخ والآتي. ليست السارية نصبا للعلَم فحسب، بل مرآةٌ تُرى فيها عُمان وهي تنظر إلى ذاتها من علٍ، وتمدّ يدها نحو العالم بسلامٍ ممهور بعزتها. 

إن ما دُشن في الخوير، ليس عملاً عمرانيا، بل قصيدة وطنية من فولاذ، تُقرأ بالعَين، وتُرددها القلوب كلما نظرت إلى السماء وقالت؛ هناك، يرفرف الوطن.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*