مقال| المناطق الرمادية.. حين يشوه الإهمال وجه الوطن

د. قاسم بن محمد الصالحي

في الطرقات الممتدة بين المدن والقرى، على أطراف العمران، وفي خاصرة الجمال، تتمدد مساحات لا تنتمي لأي نظام عمراني واضح، ولا تقع ضمن خدمة حكومية متكاملة، ولا تحظى بعين رقيبة من الجهات المختصة.. إنها “المناطق الرمادية”، تلك الأراضي البيضاء التي كان يُفترض أن تكون جزءاً من بنية تحتية واعدة، فإذا بها تتحول إلى مخازن للشاحنات، وورش متنقلة، ونقاط عبور عشوائية تُشوه وجه المكان وتطرد بهاؤه.

ليست القضية جمالية فقط، وإن كانت كافية لتشكّل جرحاً بصرياً في وجه المدينة، بل هي أيضاً قضية تنظيم، ووعي، ومسؤولية.. فمن المؤسف أن تتحول هذه المساحات إلى بؤر للفوضى، بسبب غياب التنسيق بين الجهات، وتداخل الصلاحيات، وغياب آليات الردع والتنظيم. والأسوأ، أن يُساهم بعض المواطنين -عن قصد أو جهل- في تكريس هذا التشوه من خلال استغلال هذه الأراضي لأغراض خاصة لا تليق بموقعها ولا بمكانتها المفترضة في خطط التنمية.

هنا، تأتي المناشدة الصادقة للجهات الحكومية كافة، أن تُعيد النظر في التعاطي مع هذه الظاهرة، وأن تُفعّل أدوات التنسيق فيما بينها، لا سيما بين البلديات ووزارات النقل والإسكان والبيئة، لوضع خريطة طريق واضحة تعالج هذه الفجوات العمرانية التي تنمو بصمت، لكنها تصرخ في وجه كل عابر.

وفي الوقت ذاته، دعوة أبناء المجتمع إلى استشعار دورهم الحقيقي، لا كمستهلكين للفضاء العام، بل كشركاء في صناعته والمحافظة عليه.. فالوطن لا يُبنى فقط بالقوانين، بل بالضمير الحي، وبالاحترام العميق لكل شبر فيه.

قد تكون البداية بخط أصفر على طرف الطريق، أو بلوحة تنظيمية تردع الفوضى، لكنها في جوهرها بداية لاستعادة الهيبة البصرية والمعنوية لفضاءاتنا العامة.

فهل نبدأ قبل أن نعتاد القبح ونتصالح مع الفوضى؟.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*