يكتبه: حمدان البادي|
تدهشني الدروب الوعرة التي تشق الجبال شقا، كخيوط نسجتها الحاجة والعزيمة. وأنا القادم من قرية تحتضنها الجبال، وكأن مقولة “كل الطرق تؤدي إلى روما” قد قيلت في قريتي، فالطرق المتعددة الواصلة إليها تشكلت من حاجتنا لاختصار المسافات وكُرهنا للالتفاف، حتى لو اضطررنا أن نعتلي جبلا أو نخوض واديا، طرق لا يأنس بها إلا أهلها، كأنها جزء من هويتهم.
في سلطنة عُمان، حيث الجبال تعانق السماء، تصبح الطرق الوعرة رحلة مغامرة بين الجبال، الجبال التي تتبدل ملامحها مع كل خطوة، كأنها تحاور العابرين وتسرد لهم أسرارها. وبين هذا وذاك يظهر الإنسان العُماني، وكيف صاغ من قساوة الأرض وطنا، ومن وعورة الطريق حياة، لتمنح سالكي تلك الدروب دهشة الخالق في خلقه.
الطرق الوعرة بوابات إلى عالم أكثر جمالا، حيث لا يزال الإنسان يحتفظ على مساراتها بصلته الأولى مع الأرض والسماء، إنها شهادات حية على حوار دائم بين البشر والطبيعة، تظهر فيه القرى العُمانية كجواهر تناثرت بين تلك الجبال تروي كيف وجد الإنسان نفسه مسكونا بينها، مفتونا بجمالها، كل قرية تحمل قصة إنسان تحدى الصخر ورفض أن تكون الجغرافيا سجنا لأحلامه.
ولأن السياحة مغامرة واستكشاف، فإن هذه الطرق تشكل متعة سياحية فريدة. فالقرى الجبلية وجهات تقدم تنوعا ثقافيا وبيئيا، حيث يجد الزائر سحرا خاصا لا يحتاج إلى تفسير. هناك، يعود بك الإنسان إلى الأصالة؛ إنسان لم تلوثه المدنية رغم انغماسه في تفاصيلها، يحتفظ بنقائه وكرم ضيافته، فيمنحك تجربة خالية من الرتوش التجميلية، تجربة غير مصطنعة ولا مخططة، تعود بك إلى زمن الطيبين.
وقد أدركت الحكومة العُمانية منذ بداية النهضة الحديثة قيمة هذه المناطق وما بها من قرى وتجمعات سكانية، فحرصت على توفير الخدمات الأساسية لسكانها، منها رصف الطرق، لضمان استقرارهم واستمرار حياتهم الممتدة جيلا بعد جيل، دون أن تفقدهم أصالتهم. كما تدعو وزارة السياحة والتراث بشكل مستمر إلى إعادة اكتشاف عُمان من منظور غير مألوف، عبر برامج سياحية جديدة تبرز التراث الثقافي الغني والمناظر الخلابة. وتشمل هذه البرامج رحلات المغامرة على الطرق الوعرة، وأنشطة تتيح للزوار تجربة التقاليد المحلية، من الحرف اليدوية إلى المأكولات الأصيلة.
في النهاية، تبقى الطرق الواصلة بين المحافظات والولايات العمانية- الوعرة والمرصوفة – وما ينمو عليها من قرى شاهد على أن الجمال الحقيقي يكمن في البساطة، حيث يفتح لك الإنسان قلبه قبل بيته، وإن بين هذه الجبال يكمن الجمال وتوجد حياة تستحق أن تكون ضمن أجندة السياحة والسياح.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة