د. قاسم بن محمد الصالحي |
في عُمان، لا تنتهي الجبال عند الساحل، ولا يبدأ البحر من فراغ. بين سفوح الحجر ومرافئ بحر العرب، تشكّلت جغرافيا دفعت الإنسان إلى البحث عن الطريق: ممرّ يعبر الجبل، وقافلة تنقل النحاس والتمور، وسفينة تحمل اللبان إلى موانئ بعيدة. كانت الأرض تنتج، وكانت الموانئ تصل ما تنتجه الأرض بالعالم. واليوم، تعود الحكاية نفسها، لكن بأدوات مختلفة، وبسؤال أكثر إلحاحاً: كيف يتحول الموقع من ميزة على الخريطة إلى قيمة في الاقتصاد؟.
في صحار، لم يعد الميناء مجرد رصيف تستقبل عنده السفن حمولاتها. حوله نشأت منظومة صناعية تضم البتروكيماويات والمعادن والبلاستيك والصناعات الغذائية، وتتصل بها المنطقة الحرة وشبكات النقل والإمداد. هنا تتغير وظيفة الجغرافيا: فبدلًا من تفريغ المواد الخام وإعادة شحنها، يصبح الرهان على تصنيعها، وإضافة قيمة إليها، ثم تصدير منتجات تصل إلى الأسواق الإقليمية والدولية. وتكشف هذه النقلة عن الفرق بين ميناء تمر عبره التجارة، وميناء يساعد على إنتاجها أيضًا.
وفي صلالة، حيث يقترب الساحل العُماني من مسارات الملاحة بين آسيا وإفريقيا، تتقدم أهمية إعادة الشحن والخدمات اللوجستية. فالسفينة التي تتوقف لتبديل حمولتها أو إعادة توزيعها تفتح مجالاً لأعمال تتجاوز حركة الرافعات: التخزين، والنقل، والصيانة، والخدمات البحرية. لكن المنافسة بين الموانئ لا تُحسم بالموقع وحده؛ تحسمها سرعة المناولة، وكلفة الخدمات، وانتظام الإجراءات، وقدرة الميناء على الاحتفاظ بالخطوط الملاحية والعملاء.
أما الدقم، فتروي فصلاً مختلفاً من الحكاية. هناك تتجاور المنطقة الاقتصادية الخاصة والميناء والمنشآت الصناعية ومشروع مصفاة الدقم، فيما تتقدم خطط إنتاج الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء. والرهان هنا ليس على عبور البضائع فحسب، بل على بناء قطاعات جديدة مرتبطة بالطاقة والصناعات التحويلية والتصدير. غير أن هذه المشاريع تحتاج إلى أسواق واتفاقات شراء وبنية أساسية وكفاءات وطنية؛ فالإعلان عن الاستثمار بداية الطريق، وليس نهايته.
وتكتمل الصورة حين نصل الموانئ بالداخل: طرق تنقل الإنتاج الزراعي والصناعي، ومستودعات تحفظ السلع، وسلاسل تبريد تخدم الأسماك والغذاء، وربط لوجستي يقلل زمن الرحلة وكلفتها. عندها لا تبقى الجغرافيا امتيازاً للميناء وحده، بل تتحول إلى فرصة للمصنع والمزارع والصياد وصاحب المؤسسة الصغيرة.
لقد كانت السفينة قديماً تحمل ثروة عُمان إلى العالم؛ أما التحدي اليوم فهو أن تعود حركة السفن بثروة تُصنع داخل البلاد: وظائف نوعية، وتقنية، وخبرة، ومنتجات وطنية قادرة على المنافسة.
فالموقع يمنح عُمان فرصة الوقوف على طريق التجارة، لكن الاقتصاد القوي يبدأ حين لا تكتفي البلاد بأن تكون طريقاً للآخرين، بل تصبح شريكًا في صناعة ما يعبر ذلك الطريق.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة