مقال | من فاجعة سمائل إلى منظومة وطنية لاستباق مخاطر النقل الثقيل

د. قاسم بن محمد الصالحي |

لا يجوز أن تبقى فاجعة سمائل ذكرى مؤلمة تُستعاد كلما طُرح ملف الشاحنات الثقيلة. فالدماء التي أُريقت تفرض تحويل الحادث إلى نقطة تحول حقيقية في إدارة مخاطر النقل في السلطنة. لقد كشفت الفاجعة بوضوح خطورة فقدان السيطرة على الحمولات الثقيلة، خصوصًا لفائف الحديد، وأكدت أن حماية الأرواح لا تبدأ بعد وقوع الحادث، بل قبل ذلك بكثير، عبر منظومة وطنية ترصد الخطر وتتدخل قبل أن يتحول إلى مأساة.

وتعكس الدعوات إلى تنظيم مرور الشاحنات في ساعات الذروة وتشديد الرقابة على المركبات والحمولات اهتمامًا مجتمعيًا مشروعًا بسلامة مستخدمي الطريق. لكن هذه الإجراءات لا ينبغي أن تتحول إلى حلول منفردة أو مؤقتة، بل يجب أن تندرج ضمن سياسة وطنية متكاملة توازن بين السلامة المرورية وانسيابية الحركة وكفاءة الاقتصاد. فالمطلوب ليس تعطيل النقل الثقيل أو تقييده بلا حساب، وإنما تنظيمه بطريقة تقلل مخاطره وتحافظ على دوره الحيوي في التجارة والتنمية.

لذلك، لا تكمن القضية في البحث عن جهة تُحمّل المسؤولية بعد وقوع الحادث، بل في بناء منظومة تحدد مصادر الخطر مسبقًا، وتوزع المسؤوليات بوضوح، وتضمن التنسيق بين جميع الأطراف. فسلامة النقل الثقيل لا تتعلق بصلاحية المركبة عند الفحص الفني فقط، وإنما تشمل وزن الحمولة وطريقة تثبيتها، وكفاءة السائق والتزامه، وحالة الطريق، وكثافة المرور، وملاءمة توقيت الرحلة وظروفها. وهذه العناصر مترابطة؛ إذ يمكن لخلل واحد فيها أن يضاعف مخاطر الخلل في العناصر الأخرى.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من معالجة الحوادث حالةً بحالة إلى إنشاء إطار وطني دائم لإدارة مخاطر النقل الثقيل. وينبغي أن يضم هذا الإطار الجهات المعنية بالنقل والمرور والفحص الفني وتشغيل الطرق، إلى جانب شركات النقل وأصحاب الأساطيل والجهات الرقابية. وتبدأ مهمته بتوحيد بيانات الحوادث والمخالفات والأوزان والفحوصات، ثم تحليلها لتحديد الطرق والأوقات والحمولات والممارسات الأكثر خطورة، وتحويل النتائج إلى إجراءات وقائية قابلة للقياس والمراجعة.

وقد يكون تنظيم حركة الشاحنات في ساعات الذروة أو على مقاطع محددة من الطرق خيارًا مناسبًا، شرط أن يستند إلى تقييم فني واضح لا إلى رد فعل مؤقت. غير أن نجاح هذا الخيار يتطلب دراسة البدائل الزمنية والمسارات المتاحة، وقياس أثرها في الازدحام وتكاليف النقل وسلامة مستخدمي الطريق. فالقرار الناجح هو الذي يخفض مستوى الخطر العام، لا الذي ينقله من طريق إلى آخر أو من ساعة إلى أخرى.

كما يجب اعتماد معايير أكثر صرامة ووضوحاً لتثبيت الحمولات الثقيلة، مع وضع آليات للتحقق من الالتزام بها قبل الرحلة وأثناءها. فاجتياز المركبة للفحص الفني لا يعني أن الحمولة آمنة إذا كانت غير موزعة أو مثبتة بطريقة سليمة. ولهذا ينبغي أن تمتد الرقابة إلى سلسلة النقل بأكملها: من تحميل المواد وتجهيزها، إلى إصدار التصاريح، ثم متابعة الرحلة على الطريق، مع تحديد المسؤولية في كل مرحلة.

وفي هذا المجال، تستطيع التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي أن يقدما دعمًا مهمًا للإنذار المبكر، من خلال ربط بيانات الحوادث والمخالفات والفحص الفني والأوزان وحركة المرور بسجلات السائقين والأساطيل. ويساعد تحليل هذه البيانات على كشف الأنماط المتكررة، وتحديد المركبات والمسارات والأوقات الأعلى خطرًا، وتوجيه الرقابة والموارد إلى المواقع الأكثر حاجة. لكن هذه الأدوات يجب أن تظل داعمة للقرار، لا بديلًا عن الفحص الفني والاختصاص القانوني والمساءلة المؤسسية.

ولا تقل أهمية عن ذلك الاستفادة من نتائج التحقيقات الفنية في الحوادث وتحويلها إلى معرفة مؤسسية قابلة للتنفيذ. فكل حادث يجب أن ينتهي إلى توصيات محددة، وجهات مسؤولة، وجدول زمني واضح، ومؤشرات تقيس النتائج. ويمكن أن تشمل هذه المؤشرات معدلات حوادث الشاحنات، ومخالفات تثبيت الحمولات، ومستوى الالتزام بالأوزان، ونتائج الفحوصات، وتأثير الإجراءات في حركة النقل. كما أن نشر المعلومات القابلة للإفصاح يعزز فهم المجتمع، ويجعل الثقة ثمرة للوضوح والإنجاز، لا للوعود وحدها.

ويحتاج بناء هذه المنظومة أيضًا إلى ترسيخ ثقافة سلامة داخل الشركات والأساطيل، بحيث لا تُعامل الوقاية باعتبارها تكلفة إضافية أو عبئاً إدارياً، بل بوصفها مسؤولية مهنية ووطنية. ويتطلب ذلك تدريب السائقين، ورفع كفاءة المشرفين، وتطوير أنظمة الصيانة، وربط الحوافز بمستوى الالتزام، ومحاسبة من يتجاوز معايير السلامة أو يتهاون في تطبيقها.

فالتحدي الحقيقي لا يتمثل في اتخاذ إجراءات سريعة بعد كل حادث، بل في بناء قدرة مؤسسية تتعلم من الوقائع وتمنع تكرارها. والدول التي تنجح في حماية طرقها لا تنتظر وقوع المأساة حتى تراجع أدواتها، بل تجعل تحليل المخاطر والمراجعة الدورية والتنسيق بين الجهات جزءاً ثابتاً من عملها اليومي.

إن حماية الأرواح لا تتحقق بقرار منفرد أو حملة مؤقتة، بل بمنظومة تتكامل فيها المسؤوليات، وتتبادل فيها الجهات المعلومات، وتُراقب فيها الحمولات، وتُقاس فيها النتائج، وتُراجع فيها السياسات باستمرار. وعندها يمكن أن تصبح فاجعة سمائل، رغم قسوة ذكراها، نقطة تحول حقيقية: من رد الفعل إلى الاستباق، ومن معالجة الحوادث بعد وقوعها إلى بناء منظومة وطنية تصون الإنسان، وتحد من مخاطر النقل الثقيل، وتحافظ في الوقت نفسه على كفاءة النقل واستدامة التنمية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*