مقال | الفضاء.. حين تلتقي السماء برؤية عُمان 2040

د. قاسم بن محمد الصالحي |

في أسبوع الفضاء، ربما من الجميل أن نرفع رؤوسنا إلى السماء قليلًا، ثم نعيد النظر إلى الأرض التي نقف عليها.

فالعُماني لم يكن غريباً عن السماء يوماً. قبل الأقمار الصناعية والمراصد، كان البحّار يعرف طريقه بالنجوم، والمزارع يراقب الطوالع والمواسم، وأهل الأفلاج يحسبون أوقات المياه، وكان للسماء حضورها في تفاصيل الحياة اليومية.

كانوا يقرأون السماء بأدوات بسيطة، لكن بعينٍ خبيرة.

واليوم، تغيرت الأدوات، لكن الحاجة إلى المعرفة لم تتغير.

وهنا يأتي الفضاء بوصفه أكثر من صواريخ وأقمار صناعية؛ إنه علم واقتصاد وتقنية وبيانات وفرص عمل وأمن غذائي ومائي وبيئي. ولهذا يمكن أن يكون الفضاء أحد المجالات التي تلتقي فيها طموحات عُمان مع أولويات رؤية عُمان 2040.

ففي أولوية الإنسان والمجتمع، يفتح قطاع الفضاء باباً واسعاً أمام التعليم والبحث العلمي وتنمية مهارات الشباب. فالمطلوب ليس فقط أن نستهلك تقنيات الفضاء، وإنما أن نُخرج جيلًا يستطيع أن يفهمها ويطورها ويصنع منها حلولًا تخدم بلاده.

وفي أولوية الاقتصاد والتنمية، يصبح الفضاء مجالًا لتنويع الاقتصاد، وخلق صناعات وخدمات قائمة على البيانات والتقنيات الحديثة، وفتح فرص أمام المؤسسات الصغيرة والشركات الناشئة والباحثين والمهندسين. فالاقتصاد الجديد لا يكتفي بما تحت الأرض؛ بل ينظر أيضًا إلى ما يمكن أن تقدمه لنا السماء.

أما البيئة والموارد الطبيعية، فهنا تبدو العلاقة أوضح. فصور الأقمار الصناعية وبيانات الاستشعار عن بُعد يمكن أن تساعد في مراقبة التغيرات البيئية، ورصد التصحر، ومتابعة الغطاء النباتي، ودراسة السواحل، ومراقبة الموارد المائية والزراعية.

وهكذا تعود السماء مرة أخرى لتساعدنا في حماية الأرض.

وفي أولوية الحوكمة والأداء المؤسسي، تمنح تقنيات الفضاء والبيانات الجغرافية أدوات أفضل للتخطيط واتخاذ القرار وإدارة الأزمات والكوارث ومتابعة التغيرات على مساحة السلطنة. فكلما عرفنا أرضنا بصورة أدق، أصبح التخطيط لها أكثر دقة.

وهنا تصبح الحكاية العُمانية القديمة ذات معنى جديد.

الجد الذي كان ينظر إلى نجم ليعرف طريقه، كان يبحث عن المعلومة التي تقوده إلى القرار الصحيح.

واليوم، تنظر المؤسسات إلى صور الأقمار الصناعية والبيانات الفضائية للغرض نفسه: أن تعرف أكثر، فتقرر أفضل.

لذلك، فإن الفضاء ليس بعيداً عن رؤية عُمان 2040 كما قد يبدو للوهلة الأولى.

إنه يمر من الإنسان إلى الاقتصاد، ومن البيئة إلى الحوكمة.

والتحدي الحقيقي ليس أن نصل إلى الفضاء فقط، وإنما أن نجعل الفضاء يعود بالنفع على الإنسان العُماني وعلى أرض عُمان واقتصادها وبيئتها ومؤسساتها.

وفي أسبوع الفضاء، لعل أجمل ما يمكن أن نقوله لأبنائنا هو أن السماء ليست مكاناً بعيداً عن حياتنا.

فالفضاء يمكن أن يساعدنا في معرفة أرضنا، وحماية مواردنا، وتنويع اقتصادنا، وتعليم أبنائنا، وتحسين قراراتنا.

من نجمٍ كان يهدي البحّار في الماضي، إلى قمرٍ صناعي يساعد صانع القرار اليوم؛ تتغير الأدوات، لكن تبقى الفكرة واحدة:

أن المعرفة هي البوصلة.

وهذه، في النهاية، هي الروح التي نريدها لعُمان 2040:

إنسانٌ يعرف، واقتصادٌ يتنوع، وبيئةٌ تُصان، ومؤسساتٌ تتطور.

ثم سماءٌ مفتوحة… لجيلٍ عُماني لا يكتفي بالنظر إليها، بل يتعلم كيف يصل إليها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*