مقال| تفاصيل صغيرة تصنع فروقات إيجابية

د. ناصر بن علي الجهوري |

لا تُقاس جودة البنية الأساسية في الدول الحديثة بحجم المشروعات الكبرى وحدها، وإنما تُقاس أيضاً بما تتركه هذه المشروعات من تجربة يومية لدى الإنسان. ففي التفاصيل تكمن أحياناً الفروق الكبيرة.

فاللوحة الإرشادية الواضحة، والرصف الجيد، ونظافة المرافق العامة، والإضاءة المناسبة، وسهولة الوصول، وكفاءة الخدمات الرقمية، والعناية بالتشجير والمساحات المفتوحة، هي مكونات أساسية في جودة المكان وكفاءة استخدامه. وعندما تتكامل، تتحول إلى منظومة تصنع تجربة متكاملة.

وهنا تكمن أهمية ما يمكن تسميته “ثقافة التفاصيل”؛ أي أن تُدار المدن والمشروعات والخدمات بعقلية ترى أن الجودة تبدأ بعد اكتمال الإنشاء. فالمشروع قد ينجح هندسياً، لكنه قد يفشل في تجربة مستخدميه إذا غابت عنه سهولة الحركة، ووضوح المعلومات، والصيانة المنتظمة، أو مراعاة احتياجات المجتمع.

وقد يكون تعديل مسار للمشاة، أو تحسين لوحة إرشادية، أو معالجة نقطة ازدحام، أكثر أثراً على تجربة الإنسان من إضافة عنصر إنشائي جديد.

وتزداد أهمية ذلك في القطاع السياحي؛ لأن الزائر لا يتعامل مع المعلم السياحي بمعزل عن البيئة المحيطة به. فالصورة التي يحتفظ بها عن الوجهة تتشكل من لحظات متتابعة: من سهولة الوصول إلى الموقع، ووضوح المعلومات، ونظافة المرافق، وسلاسة التنقل، وجودة الخدمات. وكلما كانت هذه التجربة أكثر انسيابية وراحة، ارتفعت احتمالية أن تتحول الزيارة إلى انطباع إيجابي، ثم إلى توصية للآخرين، وربما إلى زيارة متجددة.

ومن هنا تتحول التفاصيل الصغيرة إلى أداة تسويق صامتة.فالزائر قد يلتقط صورة لمعْلم مشهور، لكنه غالباً ما يتذكر أيضاً كيف وصل إليه، ونظافة المكان، ووضوح الإرشادات، ومستوى العناية بالمشهد العام. وهذه الانطباعات اليومية هي التي تصنع السمعة المتراكمة للمدن والوجهات السياحية.

ولا يتوقف أثر التفاصيل عند السياحة؛ فهي ترتبط كذلك بالاقتصاد وجودة الحياة. فالخدمات المصممة بكفاءة تقلل الهدر، والصيانة الوقائية تخفض كلفة المعالجة، وتحسين حركة المشاة والمركبات يرفع كفاءة التنقل. وبذلك تصبح جودة التفاصيل جزءاً من الاقتصاد الحضري.

وفي سلطنة عُمان، ومع ما تشهده من تحول تنموي متواصل، تبدو الحاجة أكبر إلى ترسيخ هذه الثقافة، بحيث لا تتركز جودة المشاريع في إنجازها الإنشائي فقط، وإنما تمتد إلى ما يحيط بها من تجربة وخدمة وهوية وصيانة واستدامة. ويمكن أن يظهر ذلك في تطوير الهوية البصرية للولايات والطرق والمرافق العامة، وتوحيد اللوحات والمعلومات السياحية، وتحسين تجربة المشاة، وتوسيع المساحات الخضراء والمناطق المفتوحة، وتطوير الحلول الرقمية، وبناء منظومة صيانة وقائية مستمرة تحافظ على جودة ما تم إنجازه.

فالمدن لا تصنع صورتها في المهرجانات والمشروعات الكبرى فقط، بل تصنعها كل يوم في الأرصفة، والطرق، والحدائق، والمرافق، واللوحات، ومواقف المركبات، وطريقة تقديم الخدمة.

إن التنمية الحقيقية تُبنى بالقرارات الكبرى، لكنها تكتمل بالتفاصيل التي يراها الناس ويستخدمونها ويقيسون من خلالها مستوى الاهتمام بهم. فهي التي تحول المشروع من مجرد منشأة إلى تجربة، وتحول المكان من موقع يُزار إلى وجهة يرغب الإنسان في العودة إليها.

وفي كثير من الأحيان، لا يكون الفارق بين مكان جيد ومكان استثنائي في حجم ما يحتويه، وإنما في مقدار العناية بما لا يلفت الانتباه للوهلة الأولى، لكنه يترك أثراً لا يُنسى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*