د. قاسم بن محمد الصالحي |
في مجلس عُماني، قد يبدأ الحديث عن الأسعار وينتهي بالسؤال المعتاد: “الراتب هو نفسه، ولكن ماذا بقي منه؟”. تبدو العبارة بسيطة، لكنها في حقيقتها تختصر قضية اقتصادية كاملة: هل نقيس قوة المالية العامة بما يدخل الخزينة، أم بما يبقى للمجتمع من قدرة على العيش والإنتاج؟.
في عُمان، لا يمكن مناقشة هذا السؤال بمعزل عن الواقع. فهناك ضريبة قيمة مضافة أساسية بنسبة 5% على معظم السلع والخدمات، مع إعفاءات ونسبة صفرية لعدد من السلع والخدمات. وهناك ضريبة دخل الأفراد التي أُقرت في 2025، وستدخل حيز التنفيذ في بداية 2028، بنسبة 5% على الدخل الخاضع للضريبة لمن يتجاوز دخله الإجمالي 42 ألف ريال عماني سنوياً، مع خصومات وإعفاءات ذات أبعاد اجتماعية، من بينها الزكاة وبعض نفقات التعليم والصحة والمسكن الأساسي.
هذه الأرقام تقول شيئاً مهماً: النظام المالي العُماني يتجه إلى تنويع مصادر الإيرادات، لكنه في الوقت نفسه يضع حدوداً وإعفاءات لحماية القدرة على الدفع.
وفي الجانب الآخر، أنشأت منظومة الحماية الاجتماعية “منفعة دعم دخل الأسر”، التي تربط الدعم بعدد أفراد الأسرة ودخلها وقدرتها على الكسب. ويُحسب المستوى المستهدف وفق معادلة تعتمد على الجذر التربيعي لعدد أفراد الأسرة مضروباً في 115 ريالاً عمانياً.
وهنا تظهر المعادلة التي تستحق النقاش: إذا كانت الدولة تقيس دخل الأسرة عند تحديد الدعم، فلماذا لا يكون أثر الأعباء المالية على الأسرة حاضراً بالقدر نفسه عند تصميم السياسات المالية؟.
خذ أسرة من أربعة أفراد: المستوى المستهدف لمنفعة دعم دخل الأسر يبلغ نحو 230 ريالاً وفق المعادلة الرسمية. لا يعني هذا أن كل أسرة عند هذا الدخل تستحق المنفعة تلقائياً، لكنه يكشف بوضوح أن الدولة نفسها تبني الحماية الاجتماعية على مفهوم “القدرة الفعلية للأسرة على الكسب والدخل”.
وهذا المفهوم يمكن أن يمتد إلى السياسة المالية كلها.
فصاحب المؤسسة الصغيرة لا يواجه الضريبة وحدها؛ أمامه الإيجار، والأجور، والكهرباء، والنقل، والتراخيص، وتكاليف المواد. وقد تكون المؤسسة الصغيرة خاضعة لضريبة دخل بمعدل 3% وفق شروط محددة، بينما تواجه في الوقت نفسه كلفة تشغيلية متراكمة.
هنا تعود إلينا حكمة ابن خلدون: الجباية لا تنفصل عن العمران. فإذا أثقلت التكاليف كاهل المنتج، ضعفت قدرته على الاستثمار والتوظيف والتوسع، وقد تتحول الزيادة في الإيراد من مكسب آني إلى ضغط على النشاط الاقتصادي.
ولهذا فإن السؤال العُماني الذي يستحق أن يُطرح ليس: كم تستطيع الدولة أن تحصل؟.
بل: ما الكلفة الكلية التي يتحملها المواطن والمؤسسة؟. وما الذي يبقى لهما بعد كل ذلك؟.
إن التوازن المالي الحقيقي لا يقاس بالخزينة وحدها، كما لا يقاس براحة المواطن وحدها. إنه القدرة على تمويل الدولة من دون إضعاف المجتمع الذي يمولها.
فإذا كان المال عصب الدولة، فإن قدرة الإنسان على إنتاج المال هي شريانها.
وهنا يكون الإصلاح المالي الأجدر: أن نعرف ليس فقط كم نأخذ، وإنما من أين نأخذ، وكم نأخذ، وماذا يبقى، وماذا يعود إلى المجتمع في صورة خدمات وحماية وفرص.
فالدولة لا تستمد استدامتها من جيب المواطن فقط؛ بل من استمرار قدرته على أن يعمل، وينتج، ويستهلك، ويدخر، ويبني مستقبله.
وهذا، في جوهره، هو ميزان العمران.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة