د. قاسم بن محمد الصالحي |
قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
البيت في وجدان الإنسان ليس جدراناً وخيوطاً، بل معنى للأمان والانتماء والاحتماء. وحين يستحضر القرآن صورة بيت العنكبوت لبيان وهن الاتكال على غير الله، تفتح الصورة باباً للتأمل في البيوت التي نبنيها نحن: ماذا يحدث حين تتعدد الخيوط، لكنها تفقد قدرتها على أن تصنع بناءً متماسكاً؟.
في واقع مجتمعات المسلمين اليوم، تتعدد صور الأزمات: حرب هنا، وانقسام سياسي هناك، وتوتر مذهبي أو قومي في موضع آخر، واستقطاب يتسع في الإعلام والفضاء الرقمي. وليس من الإنصاف أن نضع هذه الظواهر كلها في مستوى واحد؛ فالحرب ليست كالخلاف السياسي، والاختلاف المذهبي ليس بالضرورة تمزقاً مجتمعياً، والنقاش الحاد لا يعني بالضرورة انهيار المجتمع.
المشكلة تبدأ حين يفقد الاختلاف وظيفته الطبيعية، فيتحول من تعدد في الرأي إلى إلغاء للآخر، ومن منافسة في المواقف إلى قطيعة، ومن خلاف يمكن إدارته إلى خصومة تستنزف البيت كله.
وهنا تبدأ المسؤولية.
ليست مسؤولية الأطراف متساوية دائماً، لكنها موجودة لدى الجميع. فمن يملك سلطة أكبر، أو سلاحاً أكثر، أو منبراً أوسع، تقع عليه مسؤولية أكبر في منع الخلاف من التحول إلى أذى. ومن يملك تأثيراً فكرياً أو دينياً أو إعلامياً، عليه أن يدرك أن الكلمة قد تفتح باباً للحوار، وقد تغلق أبواباً كثيرة. وحتى الفرد العادي، حين ينقل خطاباً أو يروّج شائعة أو يحوّل المختلف إلى خصم دائم، يصبح جزءاً من اتجاه أكبر منه.
وهنا يكون التوازن الحقيقي: ألا نسوي بين المسؤوليات، وألا نعفي أحداً منها. فمسؤولية الأقوى أكبر، لكن مسؤولية الأضعف ليست معدومة؛ ومسؤولية من يدفع الخلاف نحو التصعيد ليست كمسؤولية من يسعى إلى تهدئته وإصلاحه.
فالاختلاف ليس نقيض الوحدة؛ إنما نقيض الوحدة هو أن نفقد القدرة على إدارة الاختلاف.
البيت القوي ليس البيت الذي لا يختلف أهله، بل البيت الذي يعرف أهله أن ما يجمعهم أعمق مما يفرقهم. فكل واحد منا يمسك خيطاً، والخيط وحده ضعيف؛ لكن الخيوط حين تتماسك تصنع بناءً. أما حين يشد كل طرف خيطه ليقطع خيط الآخر، فقد ينتصر للحظة في خصومته، لكنه يضعف البيت الذي يعيش فيه.
ولعل الإصلاح يبدأ من هنا: أن نتعلم كيف نختلف دون أن نتفرق، وكيف نختلف دون أن نلغي، وكيف نحاسب دون أن نهدم، وكيف نجعل من تعدد الخيوط قوةً للبيت، لا سبباً لانهياره.
فليست قوة الأمة في أن تختفي اختلافاتها، وإنما في أن تكون وحدتها أوسع من اختلافاتها؛ وأن يبقى بينها، مهما اختلفت الآراء والمواقف، خيطٌ لا ينقطع: خيط الأخوة، والحوار، والرحمة، وإرادة الإصلاح.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة