مقال | رمضان.. حين تعود القيم لتسأل عن مكانها

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في كل عام، يأتي شهر رمضان بهدوئه المعهود، لكن العالم من حوله يبدو أكثر صخباً واضطراباً. تتزاحم الأخبار، تتبدل المواقف، وتختلط المعايير حتى يكاد الإنسان يفقد بوصلته الأخلاقية. في هذا المشهد المربك، لا يظهر رمضان كمجرد مناسبة دينية، بل كوقفة عميقة مع الذات، وسؤال مفتوح عن معنى القيم حين تفقد وضوحها في الواقع.

لم يعد الالتباس الأخلاقي أمراً خفياً. الصواب يُناقَش كوجهة نظر، والخطأ يُبرَّر باسم الضرورة، والعدالة تُقاس بموازين القوة لا بموازين الحق. في هذا السياق، يأتي الصيام ليكسر هذا الضجيج الداخلي، لا عبر الشعارات، بل عبر تجربة شخصية صامتة. الجوع والعطش هنا ليسا غاية، بل وسيلة لإعادة الإحساس، ولتذكير الإنسان بأن الانضباط فعل وعي، لا قيد حرمان.

رمضان يعلّم، دون خطب، أن القيم لا تعيش في النصوص وحدها، بل في السلوك اليومي. في طريقة الحديث، في الصبر على الاختلاف، في الأمانة حين تغيب الرقابة، وفي الرحمة حين تتوفر القدرة على القسوة. هو شهر يفضح التناقض بين ما نقوله وما نفعله، بين صورة الإنسان في خطابه وصورته في اختياراته.

وفي عالمٍ يزداد تسارعاً، يمنح رمضان فرصة نادرة للتباطؤ. أن يتأمل الإنسان نفسه قبل أن يحاكم غيره، وأن يسأل عن دوره قبل أن يطالب الآخرين. فالإصلاح الذي لا يبدأ من الداخل، يظل وعداً مؤجلاً، مهما بدا براقاً في العناوين.

رمضان لا يغيّر العالم دفعة واحدة، لكنه يذكّر بأن وضوح القيم يبدأ من الفرد. من قدرة الإنسان على أن يكون صادقاً مع نفسه، ثابتاً في مواقفه، رحيماً في تعامله. وفي زمنٍ تلتبس فيه الأخلاق، ربما يكون هذا التذكير هو أعظم ما يقدمه هذا الشهر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*