مقال | بين ضبط السوق وتمكين الريادة

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في كل مرحلة اقتصادية مفصلية، تبرز القرارات التنظيمية بوصفها اختباراً دقيقاً لقدرة الدولة على الموازنة بين الانضباط والتحفيز. وما تشهده سلطنة عُمان اليوم من نقاش حول رسوم التراخيص ومأذونيات العمل يندرج ضمن هذا السياق، حيث يختلط القلق المشروع بالحاجة الفعلية إلى قراءة أعمق لمقاصد القرار وآثاره.

لا شك أن تنظيم سوق العمل ضرورة وطنية، ليس فقط لضبط العمالة، بل لحماية الاقتصاد من التشوهات التي أفرزتها في السنوات الأخيرة ظاهرة المشاريع الورقية والمستثمر الوهمي. هذه الظاهرة لم تضر بالسوق فحسب، بل أضعفت تنافسية المشاريع الجادة، وخلقت بيئة غير عادلة لرواد الأعمال الحقيقيين، خاصة من المواطنين.

من هذا المنظور، لا تُفهم الرسوم باعتبارها عبئاً يستهدف النشاط المحلي أو المستهلك، بل كأداة تنظيمية تهدف إلى تنقية السوق وضمان الجدية. غير أن البعد الاقتصادي يظل حاضراً؛ فالرسوم تدخل ضمن هيكل التكلفة، وقد تؤثر على الشركات الصغيرة والمتوسطة إن لم تُصمم بميزان دقيق يراعي مراحل النمو والقدرة التشغيلية.

التحدي هنا ليس في مبدأ التنظيم، بل في درجة التوازن. فتمكين رواد الأعمال العمانيين لا يتحقق بإلغاء الضبط، كما أن الضبط لا ينجح إذا تحول إلى كلفة خانقة. المطلوب هو مسار ذكي يفرّق بين من يتخذ الترخيص وسيلة إنتاج، ومن يجعله مجرد بوابة عبور بلا قيمة مضافة.

الاقتصاد الوطني لا تكتمل دائرته بتاجر واحد أو فئة واحدة، بل بتكامل المشاريع الوطنية الجادة، ورواد الأعمال، والمستثمرين الفاعلين، في سوق منضبط وعادل. وعندما يُدار التنظيم بهذا الوعي، يتحول من مصدر قلق مؤقت إلى رافعة حقيقية للاستدامة، وحاضنة لنمو الريادة الوطنية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*