د. قاسم بن محمد الصالحي|
ليس كلُّ تأجيرٍ بيعاً، ولا كلُّ فتحٍ للأبواب تفريطاً، بعض الأبواب تُفتح كي يتنفّس التاريخ، لا كي يُغادر. وحين يتردّد في المجال العام حديثٌ عن تأجير الحصون والقلاع بوصفها مورداً سياحياً، تتقدّم الأسئلة قبل الفكرة، وتسبق المخاوف المقاصد، كأن الحجر إذا تحرّك من صمته خان الذاكرة، أو كأن التاريخ إذا ابتسم للزائر فقد وقاره.
لكن الحقيقة أبسط وأعمق، الحصون والقلاع لم تُبنَ لتكون متاحف مغلقة، بل لتكون أماكن مأهولة بالمعنى. كانت يوماً نبضَ السلطة، وملاذَ الناس، ومرآةً لزمنٍ يعرف لماذا يقف، ولماذا يحرس، ولماذا ينتظر. وما بَقِيَ منها اليوم ليس جدراناً فحسب، بل سردية وطن، وملامح دولة تشكّلت بالحكمة قبل السلاح، وبالصبر قبل الصخب.
تأجير الحصن، في جوهره، ليس تنازلاً عن السيادة، بل إعادة ترتيب للعلاقة بين المكان والناس. هو انتقالٌ من حراسة الحجر إلى إحياء المعنى. من أن نقول: “هنا كان التاريخ”، إلى أن نقول: “هنا ما يزال يتكلّم”.
السياحة الحديثة لا تبحث عن الصورة فقط، بل عن الحكاية. والزائر لم يعد يكتفي بأن يلتقط أثراً، بل يريد أن يسمع صوته. يريد أن يمشي في الممرات وهو يعرف من مرّ قبلَه، وأن يجلس في الفناء وهو يدرك لماذا بُني، ولماذا صمد، ولماذا بقي. والحصن، إذا أُغلق طويلاً، يصير شاهداً صامتاً؛ وإذا أُدير بعقلٍ وحسٍّ ومسؤولية، يصير راوياً كريماً.
هنا يأتي مفهوم التأجير، لا بوصفه عقداً مالياً جافاً، بل شراكةً ثقافية. تأجيرٌ يضع شروطاً قبل العوائد، ويقدّم الهوية على الربح، ويجعل من المستثمر خادماً للمكان لا مالكاً له. تأجيرٌ يُبقي القرار السيادي للدولة، ويحفظ قدسية التاريخ، ويمنح المجتمع المحلي دورًا لا هامشًا.
ليس المقصود أن تتحوّل القلاع إلى صالات صاخبة، ولا أن تُكسى الحجارة بزينة عابرة. المقصود أن تعود الحياة بهدوء: مرشد يعرف القصة لا النص، حرفيّ يبيع ما يشبه المكان لا ما يُشبه السوق، فعالية تحترم الزمن ولا تزاحمه. أن يُدار الحصن بعقلٍ يعرف أن لكل حجر ذاكرة، وأن لكل ذاكرة حرمة.
القلق مفهوم، بل صحي. فالتراث ليس تفصيلاً إدارياً، بل عصب الهوية. لكن القلق يجب أن يُدار هو الآخر، لا أن يُترك ليعطّل كل فكرة جديدة. السؤال ليس: هل نؤجّر أم لا؟. بل: كيف نؤجّر دون أن نفقد أنفسنا؟ كيف نجعل من الحصن مورداً دون أن نجعله سلعة؟. وكيف نفتح الباب دون أن نكسر الإطار؟.
في عُمان، حيث التاريخ لم يكن يوماً صاخباً بل عميقاً، وحيث الدولة نشأت على التوازن لا المغامرة، فإن هذا التوجه لا يُفهم إلا في سياق طويل: سياق تنويع الموارد، وتمكين الولايات، وإشراك المجتمع في حماية ما يملك. فالحصن الذي يعمل، يُصان. والحصن الذي يزار، يُروى. والحصن الذي يُحب، لا يُفرَّط فيه.
تأجير الحصون والقلاع، إذا أُحسن فهمه، هو دعوة للتاريخ أن يشارك في الحاضر، لا أن يُستدعى كذكرى. هو أن نقول للحجر: لم ننسك، بل نريدك حيّاً بيننا. وهو أن نطمئن الرأي العام بأن ما يُفتح اليوم ليس باب التنازل، بل باب الحكمة.
فبعض الحجارة لا تُحفظ بالصمت.. بل بالحياة.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة