مقال | يميل العالم.. كيف يقف العُماني؟.

د. قاسم بن محمد الصالحي|

ليست هذه أول مرة يميل فيها العالم عن محوره المألوف، التاريخ – لمن يُصغي إليه – لا يسير في خط مستقيم، بل في أمواج؛ تعلو ثم تنحسر، تُغرق من لا يعرف السباحة، وتحمل من يفهم حركة المدّ والجزر.

مرّ العالم بلحظات شبيهة بما نعيشه اليوم: حين انهارت روما، لم تسقط مدينة، بل سقط تصورٌ كامل عن الخلود. وحين أُغلقت طرق الحرير، لم تتوقف القوافل فقط، بل تغيّر مركز العالم.

وحين خرجت أوروبا من عصور الظلام إلى عصر النهضة، لم يكن ذلك بضربة سيف، بل بجرأة فكرة. واليوم، يقف العالم مرة أخرى في منطقة رمادية؛ لا حرب تعلن نهايتها، ولا سلم يطمئن القلوب، ولا قيم ثابتة كما عرفناها، ولا قوة قادرة على الادعاء أنها تقود وحدها.

في مثل هذه اللحظات، تُختبر المجتمعات لا الدول فقط، ويُسأل الناس لا النخب وحدها: هل نملك بوصلة داخلية، أم ننتظر أن يرسمها الآخرون لنا؟. المجتمع العُماني، وهو يراقب هذا العالم المتقلّب، لا يقف بلا ذاكرة.

فنحن أبناء بحرٍ علّمنا أن الموج لا يُقاوَم بالصراخ، بل بفهم الريح. وأبناء أرضٍ عرفت القحط، فتعلمت الادخار، وعرفت الوفرة، فلم تُسرف في الغرور. وأبناء تاريخٍ لم يُكتب بالضجيج، بل بالحكمة وطول النفس.

لكن المرحلة الحالية ليست عادية. العالم لا يطلب منا فقط أن نكون صالحين أو صابرين، بل أن نكون واعين. فالخطر اليوم لا يأتي دائماً في هيئة مدفع، بل قد يأتي في شكل فكرة مشوشة، أو خطاب محبط، أو استعجال يطالبنا بالقفز قبل أن نعرف أين نقف.

في القرن التاسع عشر، حين دخل العالم عصر الصناعة، ضاعت أمم لأنها قاومت التغيير بعناد، وضاعت أخرى لأنها سلّمت نفسها له بلا وعي. وفي نهاية القرن العشرين، حين سقط جدار برلين، ظنّ البعض أن التاريخ انتهى، فاكتشفوا بعد عقود أن الفوضى كانت فقط تغيّر لباسها.

أما نحن، ففي قلب هذه التحولات، لسنا مطالبين بأن نكون نسخة من أحد، ولا أن نعيش أسرى المقارنة. عُمان لم تكن يوماً دولة اندفاع، بل دولة اتزان. ولا مجتمع صخب، بل مجتمع معنى.

التحدي اليوم ليس اقتصادياً فقط، ولا سياسياً فحسب، بل مجتمعي في جوهره: كيف نحافظ على تماسكنا في زمن الاستقطاب؟. كيف نُعلّم أبناءنا أن السرعة ليست دائماً تقدماً؟. وكيف نُفرّق بين النقد الذي يُصلح، والجلد الذي يُضعف؟. في مراحل التحول الكبرى، تنجو المجتمعات التي تفهم أن الاستقرار ليس سكوناً، وأن التغيير ليس قطيعة.

تنجو تلك التي تُجدد أدواتها دون أن تفقد روحها، وتُراجع مسارها دون أن تشكك في ذاتها. لسنا مطالبين بأن نخاف من العالم، ولا أن ننغلق دونه. نحن مطالبون فقط بأن نقف كما اعتدنا: هادئين في العاصفة، واضحين في الالتباس، مؤمنين بأن من يعرف نفسه، لا تضيعه خرائط الآخرين.. العالم يميل.. أما العُماني، فتعوّد أن يُعدّل شراعه، لا أن يكسر صاريه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*