د. قاسم بن محمد الصالحي|
لم تكن السياحة بالنسبة له مجرد رحلة عابرة، ولا كانت رفاهاً يهرب به من صخب المدن؛ كانت رؤية. كان يؤمن أن الاستمتاع يحتاج إلى بُعد نظر، وأن العين التي لا تتدرّب على التأمل تفقد القدرة على اكتشاف المعاني المختبئة بين تضاريس الأرض. حمل حقيبته الخفيفة، وترك خلفه أسئلة الحياة اليومية، وانطلق يتجوّل في ربوع عُمان كأنما يفتح كتابًا قديماً يقرأه للمرة الأولى.
وقف عند تخوم مسندم، حيث الجبال تُلامس البحر كأنهما يعرفان بعضهما منذ بدء الخليقة. حدّق طويلًا في الماء الهادئ، وقال لنفسه: “هنا يبدأ الاستمتاع.. ليس بالعين فقط، بل بالقلب الذي يتّسع لكل هذا الصمت الحيّ”.
لم تكن الفتنة في المشهد وحده، بل في إحساسه بأن هذه الطبيعة تمنحه درساً في التوازن: كيف يمكن للصلابة والليونة أن تتجاورا دون خصام. هكذا كانت عُمان، أرضاً تصالح عناصرها وتُعلّم زائرها أن المعنى الحقيقي للسياحة هو المصالحة مع الذات.
انحدر صوب الأودية، يمرّ بوادي طيوي كما يمرّ بذاكرةٍ يعرفها. كان يسمع الماء قبل أن يراه، فيشعر أن الطبيعة تُرسِل إليه إشاراتٍ حرباء اللون، تتبدل وتلين وتوحي. جلس تحت نخلة باسقة، ولاحظ أنها تقف في مكانها كحارسة زمن، تسرد حكايات من مرّوا من هنا.
هناك قال لنفسه: “السياحة ليست انتقالاً من نقطة إلى أخرى.. إنها انتقال من حالة إلى أخرى”.
كان يشعر أن كل مكان في عُمان يضيف إلى داخله طبقة جديدة من الصفاء، كما لو أنه يلمّع روحه بحفنة من ضوء.
صعد إلى الجبل الأخضر، ومع كل ارتفاع كان يشعر أن صدره يتسع. ليس للهواء فحسب، بل للفكرة التي تتأكد داخله: أن السياحة أكبر بكثير من الفنادق والبرامج السياحية؛ إنها لحظة إدراك.
هناك، بين مدرجات الرمان والورود، اكتشف أن الجمال حين يكون بسيطاً يكون أصدق، وأن المتعة الحقيقية هي أن يفهم الإنسان سبب جمال ما يراه، لا أن يراه فقط.
ثم انطلق نحو الرمال الشرقية، إلى الصحراء التي تُصبح في الليل سماء أخرى. وقف على الكثبان، والريح تلعب بخصلات الرمل، وقال: “هنا تتجلى الحكمة.. هنا يتعلم الإنسان كيف يصغي للفراغ دون أن يشعر بالخوف”.
كان يرى في الصحراء قدرة على تعليم المرء معنى القناعة، ومعنى أن يكون المرء مرناً كالريح، صلباً كالرمل، متجدداً كشروق الشمس.
كلما تقدّم في رحلته، أدرك أن السياحة التي ينشدها ليست بحثاً عن متعة سطحية، بل بحث عن معنى، عن مساحة تمنحه فرصة أن يتأمل العالم بلا استعجال. اكتشف أن عُمان، بمساحاتها الهادئة وجغرافيتها المتنوعة، ليست بلداً للزيارة فقط، بل بلداً للتعلم.
في الشمال درس صداقة الجبل والبحر.
في الداخل تعلّم الإنصات للماء والشجر.
في الجبل الأخضر وجد أن الهواء يملك دروساً لا يملكها البشر. وفي الصحراء فهم حكمة الامتداد.. ونعمة الفراغ.
عند عودته، كان مختلفاً. لم تتغير الأماكن، لكنه هو من تغيّر. لقد وجد أن الاستمتاع يحتاج إلى عين تتلمّس الجمال، وقلب يعرف كيف يهدأ، وعقل يرى السياحة ميداناً واسعاً للمعنى قبل أن يكون للترفيه.
وهكذا كتب في نهاية دفتره: “في عُمان.. كل خطوة سياحة، وكل مشهد درس، وكل مكان يعيدك إلى نفسك. حقًا.. للاستمتاع بُعدُ نظر، وللسياحة في هذه البلاد ميدان يتسع كلما اتسعت الرؤية”.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة