د. ناصر بن علي الجهوري|
في عالم يتسارع فيه التغيير، أصبحت صناعة السياحة مرآة لتقدّم الأمم وقدرتها على التعاون والتكامل. لم تعد السياحة اليوم قطاعًا خدميًا يعتمد على الجذب الطبيعي أو التراثي فحسب، بل مشروعًا وطنيًا شاملًا يتطلب تكاملاً بين مختلف الأطراف: الحكومة، والقطاع الخاص، والمجتمع المحلي، والمستثمرين، والمؤسسات التعليمية، والإعلام.
فالتنمية السياحية الناجحة لا تُبنى على جهودٍ منفردة، بل على شراكة فاعلة تُوزَّع فيها الأدوار بوعي، وتُدار فيها الموارد برؤية، ويُصنع القرار فيها بالتشاور والمسؤولية المشتركة.
وأول مقومات هذه الشراكة هو وضوح الهدف الوطني: ماذا نريد من السياحة؟ هل نبحث عن العائد الاقتصادي فقط؟. أم عن فرص العمل؟. أم عن تنشيط المجتمعات المحلية وتعزيز الهوية الثقافية؟. والحقيقة أن التنمية السياحية المتوازنة تجمع بين هذه الأبعاد جميعها، بحيث يصبح الاستثمار في السياحة استثماراً في الإنسان والمكان والمستقبل.
ومن أهم مؤشرات الشراكة الواعية أن تتحول الحكومة من منفّذٍ وحيد إلى ممكنٍ وداعم، وأن ينتقل القطاع الخاص من مستفيدٍ إلى مبتكرٍ ومبادر. فدور المؤسسات الحكومية يتمثل في رسم السياسات، وتوفير البنية الأساسية، وضمان جودة الخدمات، بينما يتمثل دور القطاع الخاص في قيادة المشاريع، وتقديم التجارب السياحية المميزة، وتبنّي التقنيات الحديثة، ورفع مستوى التنافسية.
أما المجتمع المحلي، فهو الشريك الذي لا يمكن تجاوزه؛ فهو صاحب الأرض والقصة والهوية، ومن يمنح التجربة السياحية جذورها وروحها وصدقها. وقد برزت محافظة ظفار كنموذجٍ محلي فعّال لهذه الشراكة في موسم الخريف، حيث تكاملت جهود الحكومة في البنية الأساسية، والقطاع الخاص في تطوير الخدمات، والمجتمع المحلي في تقديم الهوية الحيّة، والإعلام في الترويج. فصارت الوجهة الأكثر جذبًا في سلطنة عُمان، ويمكن البناء عليها لتكون نموذجاً سنوياً مستداماً.
وعلى الصعيد العالمي، تُعد مدينة كيرنز الأسترالية مثالاً مُلهِماً في تحويل السياحة البيئية إلى قوة اقتصادية، من خلال شراكة بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع والبحث العلمي لحماية الحاجز المرجاني العظيم وتقديم تجارب عالمية المستوى.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى منظومة اتصال وتنسيق مستدامة بين الشركاء، تقوم على الشفافية وتبادل البيانات وتقدير التحديات وتنسيق الأولويات. كما يجب أن تُمنح الجامعات ومؤسسات التعليم العالي ومراكز البحث دوراً محورياً في دراسة الاتجاهات العالمية، وقياس رضا السياح، وتطوير الكفاءات الوطنية القادرة على إدارة الوجهات السياحية باحتراف. فالسياحة صناعة معرفية قبل أن تكون ترفيهية.
ولا يمكن الحديث عن الشراكة دون التطرق إلى دور الإعلام، بوصفه الجسر الذي يربط المنتج بالمستفيد، ويروّج للفرص، وينشر الوعي، ويعكس الصورة الحضارية للدولة. فالإعلام الشريك يساهم في بناء الصورة الذهنية، وتحفيز الاستثمار، وتصحيح المفاهيم، وإبراز قصص النجاح.
إن التنمية السياحية مشاريع فكر وثقافة وانفتاح. وهي ليست مسؤولية جهة واحدة، بل مسؤولية الجميع. وكلما توسّعت دائرة الشراكة، ازداد تأثيرها، وتعاظمت مكاسبها، وتحولت السياحة من نشاطٍ موسمي إلى قوةٍ اقتصادية واجتماعية وثقافية مستدامة.
نحن بحاجة إلى الانتقال من التعاون المحدود إلى التكامل الاستراتيجي الفاعل، القائم على المصالح المتبادلة والرؤية المشتركة. عندها فقط ستصبح السياحة رافعةً للتنمية، ومصدراً للفخر الوطني، ونموذجاً لقدرة المجتمع على أن يعمل معاً من أجل غدٍ أجمل.
فالسياحة هي حكاية وطنٍ تُروى، وانطباعٌ يُزرع في الذاكرة، وفرصة لبناء صورة حضارية تعكس من نحن وإلى أين نتجه. وأعظم استثمار في السياحة يتمثل في الثقة بين الشركاء، وفي الوعي الجمعي بأننا جميعاً جزءٌ من هذا النجاح.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة