مقال| كفى لوماً.. تحرّك!

د. قاسم بن محمد الصالحي|

«لو التي لا كانت ولا استوت» ليست مجرد تعبير لغوي، بل موقف فلسفي من الوعي والحياة، دعوة إلى كسر دائرة التواكل، واستعادة زمام الفعل في زمنٍ يزداد فيه التذمر وتغيب فيه البصيرة.

في زمنٍ يتكاثر فيه الصراخ وتقلّ فيه البصائر، يغدو التذمر لغةً عالميةً، والشكوى وسيلة تنفيس جماعية.
فالعالم اليوم، من أقصى شرقه إلى أقصى غربه، يعيش على إيقاع التوتر: أزمات اقتصادية تشتعل، وقيمٌ تترنّح، وأفرادٌ يضيعون بين الخوف من الغد والحنين إلى ماضٍ لم يكن يومًا كاملاً.
وفي زحمة هذه التحولات، تتسلل إلينا كلمة صغيرة تُعفي الإنسان من مسؤوليته الكبرى: “لو”.
لو لم تتغير الدنيا، لو لم تتبدّل الأحوال، لو لم تخذلنا السياسة أو الاقتصاد أو الناس..
تبدو “اللو” كطوق نجاةٍ نفسيةٍ لمن يرفض الاعتراف بأنه جزء من المشكلة. لكنها في حقيقتها قيدٌ ناعمٌ، يُبقي الوعي أسير العجز، ويحوّل المجتمعات من صانعةٍ للواقع إلى متفرجةٍ عليه.
مشكلاتنا المجتمعية – من البطالة إلى ضعف الإنتاجية، من تراجع القراءة إلى ضياع الحوار – ليست معزولة عن مشهدٍ عالمي أكبر؛ إنها انعكاس لفوضى القيم التي صنعها الإنسان الحديث حين عبد السرعة ونسي المعنى، حين رفع شعار الحقوق ونسي الواجبات، حين استبدل العمق بالسطح، والإنجاز بالظهور. فغدت الأمم – رغم اتساع شبكاتها – أكثر عزلة، وغدا الأفراد أكثر شكوى، وأقل إيمانًا بجدوى الفعل الفردي.

في هذا المناخ، تتحول “اللو” إلى فلسفة حياة:
شعارٌ لليائسين، وذريعة للمتقاعسين، ومهدّئٌ حضاري يسكّن الألم دون أن يداويه. لكن التاريخ لا يُكتب بصيغة الشرط، ولا يُصنع بالمحاذير. إنه حكاية أولئك الذين قالوا: حدث ما حدث، فلنمضِ إلى ما يمكن أن يحدث.

لقد آن لنا – كأفراد ومجتمعات – أن ننظر إلى ذواتنا بعيونٍ ناقدة لا باكية، وأن ندرك أن مشكلاتنا، مهما كبُرت، لا تُحلّ بالندم، بل بالفعل، ولا بالإدانة، بل بالقدرة على الفهم والتحوّل.
فالعالم يتغير، نعم، لكن ما لم يتغير فينا هو وعي الفعل. ولن نُفلح في مجاراة المتغيرات ونحن نحمل في داخلنا “لو” التي لا كانت ولا استوت.

فلنتركها خلفنا – بكل أثقالها وذرائعها –
ولنبدأ من حيث نحن، بما نملك، وبمن نحن، فالتاريخ لا ينتظر النادمين، بل أولئك الذين يستيقظون من سباتهم على حقيقة بسيطة: أن الندم لا يغيّر العالم، لكن الفعل الواعي يفعل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*