مقال| المسؤول الذي يسمع ولا يُشارك

د. قاسم بن محمد الصالحي|

دعوة إلى ثقافة المشاركة الإدارية في معالجة القضايا العامة في بيئة العمل العام، تتعدد المشكلات وتتشابك التحديات، وتتباين زوايا النظر إليها بين من يعيشها على الأرض ومن يتابعها من موقع القرار، غير أن ما يجمع الطرفين هو الأمل في الوصول إلى حلٍّ يحقق الصالح العام، ومن هنا؛ فإن الإصغاء إلى الشكاوى والمقترحات ليس غايةً في ذاته، بل وسيلةٌ أولى نحو المعالجة الفاعلة.

لقد بات من المألوف أن يطرق المواطن أو الموظف باب مسؤولٍ تنفيذي، حاملاً همّاً أو فكرة أو ملاحظة، متطلعًا إلى أن يجد من يسمع صوته بعين التقدير، ومن يشاركه التفكير لا الاكتفاء بالتدوين. فالاستماع، مهما كان متأنِّياً، لا يُثمر أثراً إن لم يُتبع بخطوةٍ عملية أو رؤيةٍ توجيهية، فالمسؤول الذي يسمع ولا يُشارك في رسم ملامح الحلّ، إنما يترك المتحدث أمام فراغٍ من الأمل، ويُحوّل اللقاء من مساحة تفاعل إلى مجرد إجراء بروتوكولي لا يُفضي إلى تغيير.

المسؤول التنفيذي هو من يدرك أن الحلول لا تُولد من طرفٍ واحد، بل من تلاقح الأفكار بين الإدارة والمجتمع، بين من يملك القرار ومن يعيش أثره، فالمشاركة في الحل ليست ترفاً إدارياً، بل هي من صميم القيادة المسؤولة التي تؤمن بأن التواصل لا يكتمل إلا حين يتحول إلى تفاعل، ومن هنا؛ فإن المطلوب من المسؤول حين يسمع مشكلة، ألا يكتفي بدور المتلقي، بل أن يُسهم بما يملك من تجربةٍ وفكرٍ في توجيه الحوار نحو مسارٍ واقعي قابلٍ للتنفيذ.

ذلك أن المواطن أو الموظف حين يرى فكر المسؤول مشتركاً في صياغة الحل، يزداد وعياً بالمسؤولية العامة، ويشعر بأن صوته ليس مجرد صدى في أروقة المكاتب، بل جزءٌ من منظومة بناءٍ تشاركية تحترم الإنسان وتُقدّر رأيه، فالثقة بين المسؤول والمجتمع تُبنى بالفعل المشترك، لا بالاستماع الصامت.

كما أن ثقافة المشاركة في الحلول تُسهم في خفض منسوب الاحتقان، وتحوّل مسار النقاش من محور “الشكوى” إلى محور “التطوير”، فحين يُدرك الجميع أن صوتهم يُؤخذ بجدٍّ، وأن الملاحظات تُناقش بروح الشراكة لا التبرير، يتكوّن نسيج إداري أكثر نضجًا وتماسكاً، قوامه الثقة والاحترام المتبادل.

إن الإصغاء إلى الناس مسؤولية، لكن المشاركة في معالجة قضاياهم رسالة قيادة، والمناصب لا تُخلّد صاحبها بقدر ما تُخلّد أثره في نفوس من خدمهم، لذلك يبقى أجمل ما يقال في المسؤول ليس أنه “كان يُنصت جيّداً”، بل أنه “كان يُشارك بصدق، ويقترح بحكمة، ويُنجز بما يراه ممكناً”.

فالإنصات فنّ، أما المشاركة في الحلّ فهي موقفُ قائدٍ يعرف أن الكلمات وحدها لا تكفي لبناء الأوطان.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*