مقال| حين يدور التاريخ.. ومضات إلى الجيل العُماني

د. قاسم بن محمد الصالحي |

يُقال إنّ التاريخ لا يكرّر نفسه، لكنه يعيد اختبارنا بالشكل ذاته، ليقيس مدى وعينا. يدور كما تدور الكواكب، لا يعود إلى النقطة نفسها، بل إلى المعنى ذاته في مكانٍ جديد. فما وعد بلفور إلا بداية دورة تاريخية ما زلنا نعيش أصداءها، إذ لم يكن وعداً لليهود بقدر ما كان وعداً بتفكيك الشرق، وإعادة هندسة وعيه وحدوده ومصيره. ومنذ ذلك الحين، والمنطقة تُدار عبر نسخٍ متجددة من ذات الوعد: مرّة باسم “الشرق الأوسط الكبير”، ومرّة باسم “التطبيع”، وأخرى باسم “التحالفات الجديدة”، ولكن الهدف واحد: إبقاء المنطقة في حالة إعادة تشكيلٍ دائمة.

غير أنّ من يتأمل التحولات في النظام العالمي اليوم، يرى أنّ دورة التاريخ تعود إلينا من جديد، ولكن في ظرفٍ مختلف. فبينما كانت القوى القديمة ترسم خرائط الأرض، تسعى القوى الحديثة إلى رسم خرائط الوعي. وفي خضم هذا الدوران، يبرز السؤال: هل نحن مجرّد عابرين في دورة التاريخ، أم فاعلين فيها؟.

هنا، تبرز عُمان كحالة استثنائية في الشرق، لا لأنها نجت من العواصف، بل لأنها اختارت أن تفهم التاريخ لا أن تُصارعه. فمنذ فجر النهضة، سارت بخطٍ متزنٍ بين الماضي والمستقبل، بين الأصالة والتحديث، بين الحكمة والمغامرة. لم تُغلق نوافذها عن العالم، ولم تفتحها على مصراعيها دون بصيرة. هذه السياسة المتأنّية ليست بطئاً كما يظنّ البعض، بل وعيٌ بدورة التاريخ: بأنّ كل اندفاعٍ غير محسوب يولّد ارتداداً، وكل توازنٍ مدروس يصنع استقراراً.

وللشباب العُماني في هذا الدرس ومضةٌ من نور: إنّ دورة التاريخ لا تخصّ الدول فحسب، بل تشمل الأفراد أيضاً. من غفل عن سننها عاش على هامشها، ومن وعى قوانينها صار صانعاً لمستقبله. 

فالتاريخ يُعيد اختبار الأمم حين ينسى شبابها كيف قامت، ولماذا بقيت. وها هو الشرق اليوم يدخل طوراً جديداً من التحوّل، حيث تتبدّل مراكز القوة، وتتصاعد الأصوات الصغرى في مواجهة الكبار، ويصبح الوعي الوطني والقدرة على المبادرة هما السلاحان الأهم.

لقد كانت عُمان دائماً تدور مع التاريخ ولكن في مدارها الخاص، مدارٍ من الحكمة، والمبادرة، والاتزان. واليوم، حين تتشكل خرائط “الشرق الأوسط الجديد”، وتُعاد هندسة مصالح العالم من حولنا، يجب أن نقرأ المشهد بعيون التاريخ لا بعواطف اللحظة، وأن ندرك أن الحفاظ على مكاننا في دورة التاريخ لا يتحقق بالشعارات، بل بالإتقان، بالمعرفة، وبالعمل الصامت العميق.

أيها الجيل العُماني الجديد، حين يدور التاريخ من حولك، لا تكتفِ بالمشاهدة. تذكّر أنّ الأمم التي فهمت دورته، أصبحت جزءا من صنعها، فإمّا أن نكون نحن من يكتب الفقرة القادمة من تاريخ هذا الشرق، وإمّا أن نُكتب فيها كهوامش لمن لم يفهموا إشارات الزمان.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*