يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي |
في العصور القديمة، كانت الحروب تُخاض بالسيوف والخيول، ثم جاءت القوانين، وجاءت معها فكرة “النظام الدولي”، الذي يفترض أن الدول تحكمها قواعد، وأن الشعوب تُدار بمبادئ مشتركة، وأن العالم، رغم اختلافاته، يخضع لمعايير تحكم علاقاته، تحفظ السلم، وتنظم الخلاف.
لكن ما نراه اليوم هو عالم يسير بأقدام ثقيلة فوق ركام نظام قديم يتهاوى بصمت. لم يعد القانون الدولي سوى عنوان قديم فوق باب بيت مهجور. مؤشرات الانهيار كثيرة. لكنها اليوم صارت علنية؛ لم تعد القوى الكبرى تخجل من الكيل بمكيالين. ذات الفعل يصبح “تحريرًا” في مكان، و”احتلالًا” في مكان آخر. ذات القتل يصبح “إرهابًا” هنا و”دفاعًا عن النفس” هناك.. حتى بيانات الشجب والاستنكار باتت تُكتب بحبر المصالح، لا بحبر القيم.
مجلس الأمن عاجز، الأمم المتحدة تُصدر قرارات لا تجد طريقها للتنفيذ. الحروب تطحن الشعوب، وملفات الجرائم الكبرى تُركن في الأدراج، تنتظر تغير المزاج السياسي للدول الكبرى لتُفتح أو تُنسى.. لم تعد الدول الكبرى تحتاج إلى جيوشها في الميدان. هناك وكلاء، أذرع، جماعات، شركات خاصة، تقاتل نيابة عنها.. الحروب لم تعد تعلن في نشرات الأخبار، بل تظهر على هيئة أزمات ممتدة وأصابع خفية تحركها من بعيد.
القوي اليوم هو من يصنع القاعدة، لا يُسأل عن شرعيته، ولا يُحاسب على جرائمه، طالما أن مصالح الكبار تبرر وجوده، القانون أصبح انتقائيًا، يُطبق على الضعفاء، ويُجمَّد أمام الأقوياء.
ماذا يعني ذلك؟، يعني أننا أمام تحول كبير في شكل العالم.. لم يعد التوازن يعتمد على القانون، بل على المصالح والتحالفات والضغوط الاقتصادية والعسكرية. لكن وسط هذا الغبار، هناك حقيقة واحدة تظل قائمة: لا فراغ دائم في العلاقات الدولية.
إذا سقط النظام التقليدي، فالعالم مضطر لإيجاد بديل، إما أكثر عدالة إذا اجتمعت إرادة الشعوب والأمم، أو أكثر قسوة إذا ترك رسمه لأصحاب القوة وحدهم. إن سقوط قواعد اللعب لا يعني نهاية اللعبة.. لكنه يعني أننا بحاجة ماسة إلى إعادة تعريف قواعد جديدة للعالم، أكثر عدلًا، أقل خديعة، وأكثر احترامًا لكرامة الإنسان قبل أي شعار آخر.
القانون الدولي لم يمت، لكنه يحتاج أن يُبعث من جديد، هذه المرة لا من مكاتب الكبار فقط، بل من ضمير العالم كله.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة