مقال | المرشد السياحي.. حين تختبر الأفعال صدق القيم

د. عيسى العمري | 

في موقف واحد قد تتراجع ثقة السائح بالمرشد السياحي، مهما أتقن الحديث عن القيم وقد يحدث العكس فتصرف بسيط لا يحتاج إلى شرح أو تبرير قد يترك أثراً أعمق من ساعات من الحديث. وهذا ما يجعل سلوك المرشد السياحي جزءاً من أساسيات التجربة السياحية تبقى في ذاكرة السائح حتى بعد عودته إلى بلده.

أتذكر في هذا السياق موقفاً حدث لي خلال عملي في الإرشاد السياحي. فقد أخبرني سائح وزوجته عن تجربه سابقة لهم مع مرشد سياحي في إحدى الدول العربية، كان يتحدث المرشد أمامهم عن أهمية الصلاة بالنسبة للمسلم وحرصه على أداء الفروض الخمسة في المسجد، لكنهم لاحظوا أنه لم يتوقف للصلاة طول مرافقته لهم. ظل هذا التناقض حاضراً في ذاكرتهم حتى وجدوا أنفسهم يخبرونني بالقصة عندما رأوني استأذنهم لأداء الصلاة أو أتوقف في موعدها.

لم يكن الموقف بالنسبة لي متعلقاً بالمقارنة بين شخصين، بقدر ما كشف لي كيف ينتبه السائح إلى التفاصيل التي قد لا نعيرها اهتماماً. فالمرشد قد يتحدث عن قيم مجتمعه ومبادئه لكن السائح يكوّن انطباعه أيضاً من تصرفاته اليومية. وهنا تصبح الممارسة الصادقة أبلغ من أي خطاب، لأنها تمنح الكلمات معناها وتؤكد صدقها.

وينطبق الأمر نفسه على احترامه لتراث بلده والمحافظة على نظافة المواقع السياحية وتقدير خصوصية الأهالي والالتزام بالمواعيد، وتقديم المعلومات بكل أمانه. فهذه التفاصيل تصنع الفارق في تجربة السائح وتمنحه فرصة للتعرف إلى المجتمع من خلال مواقف حقيقية يعيشها بنفسه.

ومن هنا تبرز أهمية المبادرات التي تعزز القيم والهوية الوطنية لدى العاملين في القطاع السياحي، على أن تمتد أثارها إلى الميدان، من خلال التدريب والتوجيه والقدوة الحسنة. فالمعرفة وحدها لا تكفي لصناعة المرشد السياحي الناجح، إذ يحتاج إلى سلوك يعكس ما يحمله من قيم ومهنية تكسبه ثقة من يرافقهم.

يعد المرشد السياحي الركيزة الأهم في تجربة السائح، وقد تختصر لحظة صادقة صورة مجتمع بأكمله في ذهن السائح. وحين تتوافق الأقوال مع الأفعال، تصبح القيم جزءاً من التجربة التي يعيشها السائح وتغدو الذكرى الطيبة عن عُمان وأهلها امتداداً لما رآه ولمسه بنفسه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*