مقال | المرأة العُمانية.. حكاية الأرض التي لا تُروى كاملة

د. قاسم بن محمد الصالحي |

ليس من الإنصاف أن نبدأ حكاية المرأة العُمانية من يومٍ خُصص للاحتفاء بها؛ فالأيام، مهما حملت من معانٍ نبيلة، لا تصنع التاريخ، وإنما تضيء صفحةً من صفحاته. أما الحكاية نفسها، فقد بدأت منذ زمن بعيد، حين كانت المرأة في القرى العُمانية تعرف طريق الماء إلى النخيل، وتحفظ مواسم الأرض، وتدبّر شؤون البيت، وتنتظر عودة الرجال من البحر، وفي قلبها من الصبر ما لا تقيسه الساعات.

في البيوت التي استندت إلى الجبال، وفي الواحات التي أحاطت بها الرمال، لم تكن المرأة بعيدة عن صناعة الحياة. كانت تعرف قيمة الحبة التي تُزرع، والتمرة التي تُجنى، والثوب الذي يُنسج، والكلمة التي تصلح بين اثنين. وقد لا نجد لكل هذه الأعمال أسماء في كتب التاريخ، لكن آثارها بقيت في البيوت التي استمرت، والأسر التي تماسكت، والمجتمعات التي استطاعت أن تعبر من زمن الشدة إلى زمن أوسع أفقاً.

ثم أخذت البلاد تتغير. امتدت المدارس إلى القرى، واتسعت أبواب التعليم، ودخلت المرأة ميادين العمل، وظهرت في الطب والتعليم والإدارة والبحث العلمي والدبلوماسية، وفي مواقع المسؤولية وصناعة القرار. ولم يكن هذا التحول خروجاً من تاريخها، بل امتدادًا له؛ فاليد التي أدارت شؤون الأسرة في ظروف صعبة، والعقل الذي أحسن تدبير الموارد المحدودة، لم يكونا غريبين عن مقتضيات العمل العام، وإنما كانا ينتظران الفرصة والأداة.

واليوم، حين نقرأ خبر تكريم آمنة المرشدية من منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، تقديراً لإسهامها في الزراعة الريفية من خلال مشروعها «تمور صحار»، فإننا لا نرى قصة امرأة نجحت في تسويق منتج محلي فحسب؛ بل نرى صورةً من صور التحول الذي يمكن أن تصنعه المرأة حين تلتقي خبرتها بالأرض مع المعرفة والإدارة وفرص الوصول إلى الأسواق. فالنخلة التي ظلت جزءًا من ذاكرة العُماني تستطيع أن تصبح أيضًا مصدرًا للقيمة المضافة والعمل والإنتاج.

غير أن الاحتفاء بالمرأة لا ينبغي أن يحجب الأسئلة التي ما زالت تنتظر إجاباتها: كيف نوسّع فرص التدريب والتمويل؟. وكيف نمنح المرأة في المحافظات قدرة أكبر على تحويل مهارتها إلى مشروع مستدام؟. وكيف نهيئ للأجيال الجديدة بيئةً تجمع بين الطموح والمسؤولية، وبين المشاركة الاقتصادية والحياة الأسرية، من غير أن نحمّل المرأة وحدها عبء التوفيق بينهما؟.

إن يوم المرأة العُمانية ليس مناسبةً لتعداد ما أنجزته فحسب، بل فرصة لمراجعة ما ينبغي أن يتاح لها. فالأمم لا تُقاس بعدد الأبواب التي فتحتها أمام أبنائها وبناتها، وإنما بقدرتها على ضمان ألا تظل تلك الأبواب مفتوحةً لبعضهم دون بعض.

وإذا كان التاريخ قد حفظ أسماءً قليلة من نساء عُمان، فإن المستقبل ينبغي أن يمنح الفرصة لأسماء أكثر؛ لا لتكون المرأة موضوعاً للثناء، بل شريكًا كاملًا في صناعة النهضة.

ذلك هو المعنى الأعمق للاحتفاء بها: أن نرى في المرأة العُمانية تاريخاً من العمل، وحاضراً من الإنجاز، ومستقبلًا لا يزال في انتظاره الكثير.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*