مقال | حين يصبح الدم أرخص من الحسابات السياسية

د. قاسم بن محمد الصالحي |

نحو مسؤولية عربية تحمي الإنسان وتمنع اتساع دوائر الصراع

ليست خطورة الأزمات العربية في تعدد بؤر التوتر وحدها، بل في تراجع القدرة على احتوائها قبل أن تتحول إلى موجات متلاحقة من العنف والخسائر الإنسانية والاقتصادية. فحين تتزامن التهديدات الأمنية مع التصعيد السياسي، وتضطرب حركة الطيران والملاحة، وتتسع المخاوف لدى المجتمعات، يصبح السؤال الأهم: هل نكتفي بوصف الأحداث، أم ننتقل إلى إدارة أسبابها والحد من تداعياتها؟.

إن حرمة الدم ليست قيمة أخلاقية مجردة، بل أساس لاستقرار الدول وصون المجتمعات. وقد أكد القرآن الكريم أن قتل النفس بغير حق جريمة عظيمة، وجعل حفظ الحياة مقصداً إنسانياً رفيعاً. ومن ثم، فإن حماية المدنيين، ورفض استهدافهم أو استخدام معاناتهم في الصراع، ينبغي أن تكون قاعدة لا تخضع للمساومة أو ازدواجية المعايير.

غير أن المواقف المبدئية، على أهميتها، لا تكفي ما لم تتحول إلى سياسات عملية. فالتصعيد لا يتوقف بالبيانات وحدها، كما أن الإدانة لا تعوض غياب أدوات الوقاية والاحتواء. وتفرض التطورات المتلاحقة ضرورة التمييز بين المعلومات المؤكدة والتقارير غير المتحقق منها، لأن الشائعات في أوقات الأزمات قد تضاعف الخوف، وتؤجج الاحتقان، وتدفع إلى قرارات مبنية على تقديرات خاطئة.

وهنا تبرز مسؤولية عربية مشتركة، تبدأ بإنشاء آلية فعالة للإنذار المبكر وتبادل المعلومات الموثوقة بشأن المخاطر الأمنية، وتمتد إلى تنسيق الجهود الدبلوماسية لفتح قنوات الاتصال بين الأطراف المعنية، ومنع الحوادث المحدودة من التحول إلى مواجهات أوسع. كما تتطلب حماية المنشآت المدنية والمطارات والممرات البحرية، وتعزيز التعاون في الإغاثة، وضمان استمرار تدفق السلع والطاقة، وتقدير الأثر الاقتصادي لأي تصعيد على حياة المواطنين.

ولا تقل أهمية عن ذلك مساءلة الخطاب السياسي والإعلامي؛ فالكلمة قد تفتح نافذة للحل، وقد تغلقها حين تتحول إلى تحريض أو تبادل للاتهامات. والمطلوب إعلام مسؤول يوضح الحقائق، ويتجنب التهويل، ولا يمنح الروايات غير المثبتة صفة اليقين.

إن اختلاف المصالح بين الدول العربية أمر واقع، لكنه لا ينبغي أن يلغي الحد الأدنى من العمل المشترك لحماية الإنسان وصيانة الأمن الإقليمي. فالمطلوب ليس موقفًا موحدًا من كل تفاصيل الصراع، بقدر ما هو اتفاق عملي على منع اتساعه، واحترام السيادة، وتغليب الحوار، وتحميل كل طرف مسؤولية أفعاله وفق القانون الدولي.

في نهاية المطاف، لا تقاس قوة السياسة بقدرتها على إدارة المواجهة فحسب، بل بقدرتها على منعها، وتقليل كلفتها، وصون حياة الناس. وتلك مسؤولية لا تحتمل التأجيل؛ لأن الأوطان قد تتعافى من الخلافات، لكن آثار الدم والدمار تبقى أطول من أعمار الأزمات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*