مقال | ليس المهم كم سائحاً نستقبل، بل كم قيمة يضيفها كل سائح؟.

د. ناصر بن علي الجهوري |

قد تستقبل وجهة سياحية مليون زائر، لكنها لا تحقق من زياراتهم القيمة التي تحققها وجهة أخرى تستقبل نصف هذا العدد. فالفارق لا تصنعه أعداد السياح وحدها، بل ما يتركه كل زائر من عائد اقتصادي وأثر إيجابي وإسهام في الاستدامة. هنا يتغير السؤال من سؤال: كم سائحاً استقبلنا؟. إلى سؤال أعمق: كم قيمة أضافها كل سائح؟.

من هذا المنطلق، يبرز مفهوم “السياحة القائمة على القيمة”، الذي يعيد تعريف النمو السياحي، وينقل التركيز من مجرد زيادة أعداد الزوار إلى تعظيم العوائد التي تحققها زياراتهم، وتحفيز الإنفاق المستدام.

وتقوم هذه المقاربة على استقطاب الزوار الذين تسهم أنماط زيارتهم في توليد قيمة اقتصادية أكبر؛ من خلال إطالة مدة الإقامة، واقتناء المنتجات المحلية، والمشاركة في التجارب الثقافية والتراثية. فكلما ارتبطت التجربة السياحية بالاقتصاد المحلي، اتسعت فرص الاستفادة، وأصبح العائد السياحي أكثر انتشاراً واستدامة.

ولا يعني ذلك أن زيادة أعداد السياح لم تعد هدفاً مهماً، بل إن المطلوب هو تحقيق التوازن بين النمو الكمي والنمو النوعي؛ بحيث لا تصبح الأعداد غاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة لتعزيز العوائد وتحسين تنافسية الوجهات السياحية. فالتوسع غير المصحوب بالتخطيط قد يزيد الضغط على البنية الأساسية والموارد الطبيعية، في حين يتيح التخطيط القائم على القيمة تحقيق منافع اقتصادية أوسع، مع المحافظة على المقومات الوطنية.

وتكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة في سلطنة عُمان، بما تمتلكه من تنوع طبيعي وثقافي يمتد من الشواطئ والجبال والأودية إلى القرى والمواقع التاريخية. وتكمن الفرصة في تحويل هذا التنوع إلى تجارب أصيلة تشجع على إطالة الإقامة واستكشاف المحافظات، والتفاعل مع الثقافة العُمانية، والإنفاق على المنتجات والخدمات المحلية.

ويبرز موسم خريف ظفار أهمية الاستناد إلى مؤشرين متكاملين لقياس النمو السياحي: عدد الزوار وحجم إنفاقهم. كما تتيح السياحة فرصاً لدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتنشيط ريادة الأعمال المحلية، وتعظيم استفادة المجتمعات المحلية من النشاط السياحي.

ويتطلب تحقيق هذا التحول تطوير مؤشرات الأداء السياحي لتشمل متوسط إنفاق الزائر، ومدة إقامته، ونسبة استفادة المؤسسات المحلية، ونوعية فرص العمل المستحدثة، والأثر البيئي للأنشطة السياحية. كما يستدعي الاستثمار في الكفاءات الوطنية، ورفع جودة الخدمات، وتطوير التجارب السياحية، وتوسيع مشاركة المجتمعات المحلية في صناعة المنتج السياحي.

إن الرهان الحقيقي ليس على استقطاب المزيد من الزوار فحسب، بل على بناء قطاع سياحي تتسع منافعه وتستمر آثاره. فحين تتحول الزيارة إلى دخل للمجتمع، وفرصة للشباب، وحافز لصون التراث والطبيعة، يصبح النمو السياحي أكثر رسوخاً وقدرة على المنافسة.

فالسياحة الناجحة ليست بالضرورة الأكثر استقبالاً للزوار، بل الأقدر على تحويل كل زيارة إلى قيمة مضافة للاقتصاد وفرصة للمجتمع واستثماراً في مستقبل المكان.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*