د. قاسم بن محمد الصالحي|
في عُمان، يكفي أن تنتقل من محافظة إلى أخرى حتى تشعر أن البلاد تغيّر نبرتها، من دون أن تغيّر صوتها. تتبدل اللهجات، وتتغير ملامح البيوت، وللجبل حكايته، وللبحر حكايته، وللقرى والمدن طرائقها الخاصة في الاحتفاظ بالذاكرة. في ظفار تفاصيل لا تشبه مسندم، وفي الشرقية صلة مختلفة بالبحر، وفي الداخلية ملامح صاغتها الجبال والأفلاج، وفي مسقط مدينة اتسعت للعالم من دون أن تفقد ملامحها.
ومع ذلك، لا نشعر أننا نعبر من وطن إلى وطن؛ إنما نعبر من تفصيل عُماني إلى تفصيل عُماني آخر.
وهنا تبدأ الحكاية الأعمق للهوية.
فالهوية العُمانية لم تُبنَ على التطابق. العُماني الذي صنعته البيئة الساحلية ليس نسخة من ابن الجبل أو الصحراء، والمدينة ليست القرية، والعادات قد تختلف، واللهجات تتنوع، لكن الجميع يجد نفسه في معنى أوسع اسمه عُمان.
وهذه ليست مفارقة، بل ربما هي إحدى خصائص الهوية العُمانية: أنها استطاعت أن تجمع الاختلاف دون أن تحوله إلى انقسام.
فالبحر، الذي كان يمكن أن يكون حداً، كان طريقاً إلى العالم. والسفر لم يكن اقتلاعاً من الوطن، بل كان في كثير من الأحيان امتدادًا له. عرف العُماني الآخر، وتاجر معه، وعاش في بلاد بعيدة، ثم عاد وفي داخله إحساس واضح بمن يكون.
لهذا لا ينبغي أن نفهم الهوية بوصفها ماضيًا نحرسه من الزمن، بل معنى نحمله معنا إلى المستقبل.
وهنا تلتقي الهوية مباشرة مع رؤية عُمان 2040؛ فالرؤية لا تتعامل مع الهوية والتراث والثقافة باعتبارها ذاكرة منفصلة عن التنمية، بل تضع الإنسان العُماني في قلب مشروع المستقبل، وتربط الاعتزاز بالهوية بالمعرفة ومواكبة المتغيرات وبناء مجتمع متماسك قادر على التعايش.
والسؤال إذن ليس: كيف نحافظ على عُمان كما كانت؟.
بل: كيف نحافظ على عُمان ونحن نصنع ما ستكون عليه؟.
جيل اليوم يعيش عالمًا مختلفاً؛ يرى العالم في هاتفه، ويتعلم منه، ويتأثر به، ويعيد صياغة كثير من مفاهيمه. وليس المطلوب أن نعزله عن العالم باسم الهوية، بل أن نمنحه هوية واثقة بما يكفي لكي تنفتح ولا تذوب، وتتجدد ولا تنقطع عن جذورها.
فالهوية التي لا تحتمل الاختلاف تصبح ضيقة على أصحابها، أما الهوية الواثقة فتتسع لهم جميعاً.
ومن الخطأ أن تتحول اللهجة أو العادة أو المنطقة إلى معيار للأصالة، أو أن يصبح اختلاف الرأي امتحاناً للانتماء. فالعُمانية أعمق من ذلك كله؛ هي في السلوك، وفي احترام الآخر، وفي الاعتدال، وفي حسن الجوار، وفي القدرة على الاختلاف دون أن نفقد شعورنا بالمصير المشترك.
نحن لا نحتاج إلى عُمان متشابهة.
نحتاج إلى عُمان تعرف كيف تجمع اختلافاتها تحت سقف واحد، وكيف تجعل من تنوعها قوة في طريقها إلى 2040.
عُمان ليست نسخة واحدة؛ وهذه ليست مشكلة في هويتها، بل أحد أسرار قوتها.
هوية تتسع للاختلاف، ولا تنقسم به.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة