تمزج بين الأصالة والتجديد وتحكي تاريخ المجتمع العُماني وتفاصيل حياته.. الحارات العُمانية القديمة وجهات سياحية متجددة 

اسماء الحراصي: الحارات القديمة فضاءات حية نابضة بالحياة تعكس عمق الهوية العُمانية وتاريخها العريق

التوازن بين صون القيمة التاريخية والمعمارية للحارات وتفعيل دورها في التنمية السياحية والاقتصادية

نزوى – العُمانية|

شهدت الحارات العُمانية القديمة اهتمامًا مُتزايداً بترميمها وتطويرها لتكون وجهات سياحية تمزج بين الأصالة والتجديد، حيث تحكي تاريخ المجتمع العُماني وتفاصيل حياته عبر الأزقة الضيقة والبيوت الطينية التي تحمل نقوشًا معمارية عريقة، لتتحول إلى فضاءات سياحية نابضة بالحياة تستقطب الزوار من داخل سلطنة عُمان وخارجها.

ويأتي هذا التوجه عبر الجهود المشتركة بين وزارة التراث والسياحة والأفراد من المجتمع العُماني المهتم بالحفاظ على الهوية الثقافية وإحياء الموروث العمراني.

فضاءات حية 

تقول أسماء بنت هلال الخروصي، المكلفة بأعمال مدير القلاع والحصون والمعالم التاريخية بوزارة التراث والسياحة: تحرص وزارة التراث والسياحة على أن تكون الحارات العُمانية القديمة فضاءات حية نابضة بالحياة، تعكس عمق الهوية العُمانية وتاريخها العريق، وليست مجرد شواهد عمرانية صامتة، ومن هذا المنطلق، تقوم خطط الوزارة على مبدأ التوازن بين صون القيمة التاريخية والمعمارية لهذه الحارات وتفعيل دورها في التنمية السياحية والاقتصادية”.

وأشارت إلى أن الوزارة تعمل على توثيق الحارات التاريخية وحمايتها، ودعم تنفيذ مشروعات الترميم والصيانة وفق منهجيات تراعي أصالة النسيج العمراني التقليدي، كما يجري تشجيع استثمار المباني التراثيّة في أنشطة سياحية وثقافية متنوعة، مثل النزل التراثية، والمقاهي التقليدية، ومساحات الحرف والصناعات الإبداعيّة، بما يُسهم في إعادة توظيف هذه المواقع وإحياء حضورها في الحياة اليومية.

وأضافت: كما يتم تطوير البنية الأساسية والخدمات الداعمة للزوار، بما يشمل مسارات الزيارة، واللوحات التعريفية، والمرافق السياحية، بما يضمن تجربة سياحية متكاملة تحافظ على روح المكان وتعزز جاذبيته.

وبينت أن هذه الجهود تسعى في مجملها إلى تحويل الحارات العُمانية إلى وجهات مستدامة تجمع بين الأصالة والمُعاصرة، وتوفّر فرصًا اقتصاديّة للمُجتمع المحليّ، بما يدعم تنشيط الحركة السياحيّة ويعزز مُساهمة التراث في التنمية الوطنية.

حارة الحمراء 

وأحد أبرز الحارات القديمة التي تم تطويرها مؤخرا هي حارة الحمراء، ويقول سلطان بن سيف العبري – عضو في اللجنة الأهلية لتطوير الحمراء: تمتاز حارة الحمراء بموقعها الفريد؛ إذ بنيت على سفحٍ جبلي مطل على الواحة الزراعية، ويعبر خلالها فلج الحمراء في مشهد متكامل يعكس تناغم العمارة التقليدية للإنسان العُماني، وبراعته في تسخير مقومات المكان والتكيف مع طبيعته.

وأشار إلى أنه تم تأسيس اللجنة الأهلية لتطوير ولاية الحمراء، حيث استهلت مشروعاتها في عام 2014 بصيانة ساقية الرس المصممة لتصريف المياه في الواحة الزراعية المتاخمة لحارة الحمراء.

وتابع حديثه قائلًا: ثم تلتها مشروعات تأهيل المسارات الزراعية التي تربط بين الحارة والمزارع، ورصفها بالأحجار والإسمنت، حيث بلغت المسافة الإجمالية لهذه المسارات أكثر من 6000 متر. وقد أسهمت هذه المشروعات في إثراء التجربة السياحية في المكان عبر أنشطة مصاحبة مثل التجوال بالدراجات الهوائيّة، والسيارات الكهربائيّة السياحيّة، وركوب الخيل، كما عززت النمط الصحيّ للمُجتمع من خلال الاستمتاع بالمشي بين معالم الحارة وعبر المسارات الزراعية في الواحة.

وأشاد بالجهود الحكومية وسعيها المتواصل والدؤوب في جعل الحارات مزارات سياحية حية، ويذكر دور الجهات المعنية الفاعل في دعم مبادرات اللجنة؛ إذ أسهمت بتوفير المعدات اللازمة وإصدار التراخيص المطلوبة، دعمًا لهذه الجهود المجتمعية، ولاحقًا أضيفت إلى المسارات أماكن للجلوس والاستراحة.

ويُعدّد المشروعات المحورية التي نفّذتها اللجنة الأهلية في حارة الحمراء التي تسهم في الحفاظ على هوية الحارة وتراثها العمراني، من أبرزها إعادة تأهيل عريش السدرة عند المدخل الشرقي للحارة، وترميم سبلة الصلف والصباحات “صباح النعب وصباح المغري”، وهي من أبرز المعالم التاريخية في الحارة، وفي عام 2023 أسهمت الشركة العُمانية لنقل الكهرباء بدعم سخي تمثل في تركيب 400 مصباح يعمل بالطاقة الشمسية، أضفت جمالًا وإنارة على مسارات الحارة والطرق الزراعية، وأسهمت في تعزيز جاذبيتها، ويبيّن في حديثه أن أعمال التطوير في الحارة والواحة الزراعية تمّت بالتنسيق والشراكة مع الأهالي، بما يضمن رضا مختلف الأطراف ويعزز روح التعاون المُجتمعي.

وأشار إلى أن رؤية اللجنة من خلال هذه المشروعات التطويرية تمثلت في تأسيس مرافق أساسية تُبنى عليها لاحقاً مشروعات الجذب السياحي، وإعادة استثمار المزايا الطبيعية والتراثية التي تزخر بها الحارة، وقد أسهم ذلك في تطوير عدد من النُّزل التراثيّة والاستراحات والمقاهي، وانتعاش الأنشطة الخدمية المصاحبة لها، بما يعزّز القيمة المُضافة ويوجد فرصاً واعدة للعمل، ولفت إلى أنّه خلال السنوات الماضية قامت وزارة الإسكان والتخطيط العمراني بدراسة المخطط الحضري لحارة الحمراء، حيث وضعت الأطر العامة لتطويرها من حيث التقسيم العام للحارة ومرافقها، مع الحفاظ على الهوية العمرانية الأصيلة للمكان. 

قيمة مضافة 

وفيما يتعلق بالقيمة المضافة التي تحققها المشروعات الاستثمارية في بيئة الحارات القديمة لملاّكها، وكيفية سعي أصحابها إلى دمج الرفاهية العصرية بعبق التاريخ لتقديم تجربة إقامة فريدة لا تُنسى للسائح والزائر، أوضح سالمين بن السبع المحروقي – صاحب مشروع مقهى كدم في ولاية بهلاء: هذه المبادرات تمثّل نموذجًا حيا للتوازن بين الأصالة والحداثة، حيث إن فكرة إنشاء هذا المقهى في قلب سوق بهلاء جاءت لتعيد الحيوية إلى الأسواق التقليدية، وقد استندت الفكرة إلى ما تمتلكه ولاية بهلاء من مقومات سياحية بارزة، مثل الحارات التاريخية والقلاع والأفلاج، إضافة إلى الصناعات التقليدية كالفخار ودباغة الجلود وصياغة النحاسيات والفضيات وغيرها من الحرف المتوارثة عبر الأجيال.

وأكد المحروقي في حديثه: هذا الحراك التنمويّ يُمثل نقلة نوعيّة تعزز النشاط الاقتصادي للمواطنين، وتشجع الاستثمار المحلي والأسر المنتجة، وتعيد الحياة إلى الحارات التي كانت شبه مهجورة، مما يثبت أهمية الحفاظ على الإرث الحضاري والموروث التاريخي، وإعادة إحياء هذه الحارات التي تجسّد التاريخ العُماني وتشكل رافدًا اقتصاديًا مستداماً. .

أعجاب السياح 

ومن جهته، قال محمد بن عبد الله الدغيشي، مرشد سياحي: بصفتي مرشداً سياحياً عاماً، فإنني كثيراً ما ألاحظ أن اللحظة الأولى التي يدخل فيها الزوار إلى أزقة الحارات العُمانية القديمة تكون لحظة مليئة بالدهشة والإعجاب، فالسائح يكتشف سريعاً أن ما يراه ليس مجرد مبانٍ قديمة، بل حكاية حية ما زالت تفاصيلها حاضرة في حياة الناس.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*