مقال | الحارات العمانية

يكتبه: حمدان البادي|

 عدوى جميلة تلك التي أصابت العمانيين وجعلتهم يقبلون باتجاه مرابعهم الأولى لإعادة سيرة الآباء والأجداد في الحارات العمانية وفقا لمعطيات الحاضر مع الإبقاء على طابع الماضي، من خلال تشكيل مؤسسات أهلية تعنى بتأهيل الحارات العمانية واستثمارها، وبعضها بجهود فردية لتعود الحارات العمانية إلى وهجها النابض بالحياة، وتعلن عن نفسها كمقاصد سياحية وتراثية تعيدنا إلى مرحلة زمنية ببساطتها وتألف أرواح من سكونها.

مشروع ترميم الحارات العمانية هو امتداد لمشروع تحويل القلاع والحصون من مزارات تراثية صماء إلى نزل سياحية نابضة بالحياة والثقافة، غير أن الحارات هي اشتغالات أهليه في بعض المواقع خاصة تلك التي تعود ملكيتها لأسر معينة أو قبائل سميت باسمهم، أما القلاع والحصون مع مواقع أخرى من الحارات العمانية العامة،  فهو مشروع قامت عليه الحكومة منذ وقت مبكر من عمر النهضة الحديثة متمثلة حاليا بوزارة التراث والسياحة ولاتزال تعمل عليه بالتعاون مع المراكز البحثية المتخصصة من داخل السلطنة وخارجها للقيام بترميم القلاع والحصون وتوثيق الحارات العمانية من الناحية الهندسية والتوثيق الفوتوغرافي ودراستها من الناحية الاثنوغرافية وتوثيق ذلك في كتب ومطبوعات لتبقى نموذجا يشكل جزءا من المشهد الثقافي والاجتماعي لسلطنة عُمان، ومن ثم إتاحتها للاستثمار السياحي والاقتصادي.

 لذا تكاملت الجهود وعادت بعض الحارات العمانية لتأخذ مكانها في قلب المشهد الاجتماعي والثقافي، حارة تلو الأخرى تعيد فتح نافذة على صفحات من تاريخ الأجيال التي سكنت وعبرت وتركت أرثاً وثقافة ونمط حياه. هذه الحارات، التي قامت على ضفاف الأودية الخصبة وواحات النخيل والأفلاج وهجرتها الأجيال مع طفرة البناء الحديث وتخطيط القرى، تعود اليوم لتستعيد نبضها وروحها، عبر مشاريع سياحية وثقافية ناجحة، جعل من الحارات الأخرى السير على خطى تلك التجارب وقد رأينا تجربة مسفاة العبريين في ولاية الحمراء وحارة العقر في نزوى وقرية السوجرة في الجبل الخضر واليوم نسمع عن حجرة الشيخ في وادي المعاول وحارة يمن في أزكي، وحارات أخرى في ولايات مختلفة، تشكل نماذج سياحية تستحق الزيارة.

 والزائر لهذه الحارات سيجد القهوة في انتظاره وقد عطرت رائحتها المكان في مشهد يحاكي فن صناعة القهوة في الماضي بلمسة معاصرة حيث تدور مكائن القهوة المختصة على وقع تحميص القهوة وطحنها في الزمان العابر لتعيد للمكان جوهر الحياة الاجتماعية والثقافة العمانية الأصيلة. 

 الحارات العمانية نوافذ نطل منها على الحياة الاجتماعية وبساطتها وقد أسست لها نظاما اقتصاديا واجتماعيا متكاملا يعينها على الاستمرار، قائما على التكافل والتعاون عبر ضواحي الزرع والنخيل وما أوقف لها من أموال ليضمن استمراريتها، وما تزخر به من تفاصيل حياتية وتاريخ شفوي وأحداث تسامر بها أهل الحارة وتناقلتها الأبناء جيل بعد جيل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*