دوشنبه “طاجيكستان” – وجهات |
في أجواء احتفالية عكست عمق الثقافة الطاجيكية وارتباط الإنسان بالأرض والطبيعة، احتضنت الجامعة الدولية للسياحة وريادة الأعمال في دوشنبه أمس فعاليات مهرجان «مهرجون» (Mehrgon)، أحد أقدم الاحتفالات الموسمية في الثقافة الطاجيكية، وذلك بالتزامن مع انطلاق المنتدى الدولي «السياحة المستدامة والتراث الثقافي ” .
وتحولت ساحات الجامعة وقاعاتها إلى مساحة نابضة بالحياة، جمعت بين المنتجات الزراعية المحلية والحرف التقليدية والفنون الشعبية، في مشهد بدا وكأنه رحلة بصرية إلى قلب المجتمع الطاجيكي وتقاليده المتوارثة عبر الأجيال.
وجاء تنظيم مهرجان مهرجون في إطار البرنامج الافتتاحي للمنتدى الدولي الذي تنظمه الجامعة الدولية للسياحة وريادة الأعمال في طاجيكستان خلال الفترة من 13 إلى 18 أكتوبر، بمشاركة دولية واسعة تضم نحو 2000 مسؤول وأكاديمي وخبير ومستثمر وممثل لجهات مختلفة من أكثر من 60 دولة.
احتفال بالأرض والإنسان

ومنذ اللحظة الأولى لدخول الزائر إلى موقع الفعالية، كان واضحاً أن مهرجان مهرجون ليس مجرد احتفال تراثي، وإنما مناسبة تستعيد من خلالها طاجيكستان جانباً أصيلاً من ذاكرتها الثقافية والحضارية.
واكتست أجنحة المعرض بألوان الخريف، حيث عرض المزارعون والمنتجون تشكيلة واسعة من الفواكه والخضروات الطازجة التي تشتهر بها المناطق الزراعية في طاجيكستان، إلى جانب منتجات غذائية وموروثات مرتبطة بالموسم الزراعي.
وكان حضور المنتجات الزراعية لافتاً، إذ جسد مهرجون في جوهره علاقة الإنسان بالأرض وموسم الحصاد، وهي قيم ارتبطت بهذا الاحتفال منذ قرون.
ولم تقتصر الفعاليات على الزراعة والمنتجات المحلية، بل امتدت إلى الحرف اليدوية التي تمثل أحد المكونات المهمة للهوية الثقافية الطاجيكية.
وشاهد الزوار نماذج من الفخار والمشغولات الذهبية والنحت على الخشب والتطريز التقليدي والتطريز المعروف باسم «تشكان»، إضافة إلى عدد من المنتجات الحرفية المستوحاة من التراث المحلي.
وقدمت هذه المعروضات صورة حية عن مهارات الحرفيين الطاجيك، وعن قدرة الصناعات التقليدية على البقاء والتطور رغم التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة على مدى العقود الماضية.
التراث بوابة للسياحة
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في مهرجان مهرجون هو أن تنظيمه جاء داخل جامعة متخصصة في السياحة وريادة الأعمال، وفي اليوم نفسه الذي انطلقت فيه أعمال منتدى دولي يبحث مستقبل السياحة المستدامة وحماية التراث الثقافي.

وهنا بدا التراث وكأنه يتحول من مجرد ذاكرة تاريخية إلى عنصر اقتصادي وسياحي قادر على صناعة تجارب جديدة للزائر.
فالسائح المعاصر لا يبحث فقط عن الفنادق والمواقع السياحية التقليدية، وإنما يريد أن يعيش تجربة المكان، ويتعرف إلى عاداته وأطباقه وحرفه وفنونه وأسواقه، ويلتقي بأهله ويكتشف الطريقة التي يعيشون بها.
ومن هذا المنظور، فإن مهرجان مهرجون يقدم نموذجاً مهماً لكيفية تحويل المناسبات الثقافية والزراعية إلى منتجات سياحية يمكن أن تعزز جاذبية الوجهة وتدعم المجتمعات المحلية.
كما أن عرض المنتجات والحرف أمام الزوار الدوليين المشاركين في المنتدى أتاح فرصة للتعريف بإمكانات طاجيكستان في مجالات السياحة الريفية والزراعية والثقافية والحرفية.
ويعكس اختيار مهرجون ليكون جزءاً من المشهد الافتتاحي للمنتدى رؤية واضحة لربط النقاشات الأكاديمية والسياسات السياحية بالتراث الحي الذي يمارسه الناس في حياتهم اليومية.
فالسياحة المستدامة لا تبدأ فقط من الاستراتيجيات الحكومية أو الاستثمارات الكبرى، وإنما تبدأ أيضاً من حماية الحرف التقليدية، وتشجيع المزارعين، والحفاظ على الموروث الغذائي، ونقل المهارات من جيل إلى آخر.
دوشنبه.. عاصمة تحتفي بتراثها
ومن خلال هذا الحدث، بدت دوشنبه وكأنها تقدم نفسها أمام الضيوف القادمين من مختلف دول العالم بصورة مختلفة عن الصورة التقليدية للعواصم الحديثة.
فإلى جانب البنية الحضرية والمباني الحديثة والشوارع الواسعة، هناك ثقافة عريقة لا تزال حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، من الأزياء والأطعمة إلى الحرف والاحتفالات الموسمية.
وكان مهرجان مهرجون مناسبة لعرض هذا الجانب أمام ضيوف المنتدى، ومن بينهم أكاديميون ومسؤولون وخبراء في قطاع السياحة ومستثمرون وممثلون عن مؤسسات دولية.
وبالنسبة للزائر العربي والأجنبي، فإن مثل هذه الفعاليات تمنح فرصة لفهم طاجيكستان من الداخل، بعيداً عن الصور النمطية، واكتشاف بلد يمتلك مزيجاً فريداً من الطبيعة الجبلية والتاريخ والثقافة والزراعة والحرف الشعبية.
تجربة ميدانية
الاحتفال لم يكن مجرد عرض رسمي أمام الضيوف، وإنما كان يحمل روحاً شعبية واضحة.كانت الفواكه والخضروات والحرف اليدوية والأزياء والعناصر التراثية تتحدث عن طاجيكستان بطريقة لا تستطيع الكلمات وحدها أن تنقلها.
مهرجان مهرجون يمثل نافذة مفتوحة على المجتمع الطاجيكي، ويكشف كيف يمكن للتراث أن يتحول إلى لغة عالمية للتواصل بين الشعوب.
فالزائر الذي قد يأتي إلى طاجيكستان بحثاً عن الجبال والبحيرات والطبيعة، يمكن أن يجد نفسه أيضاً أمام ثقافة غنية تستحق الاكتشاف، وحكايات إنسانية مرتبطة بالأرض والمواسم والأسرة والمجتمع.
تكمن أهمية مهرجان مهرجون أيضاً في قدرته على تقديم نموذج عملي للسياحة المستدامة.
فعندما تتحول المنتجات الزراعية والحرف اليدوية والأطعمة التقليدية إلى جزء من تجربة السائح، فإن العائد الاقتصادي لا يذهب فقط إلى شركات السياحة والفنادق، وإنما يمتد إلى المزارعين والحرفيين والأسر المنتجة والمجتمعات المحلية.
وهذا النوع من السياحة يمكن أن يساعد في خلق فرص عمل جديدة، وتشجيع الشباب على تطوير المشاريع الصغيرة، والمحافظة على الحرف التي قد تواجه خطر الاندثار.
كما يمكن أن تصبح المناسبات التراثية السنوية عناصر ثابتة في روزنامة السياحة الدولية، بحيث يأتي الزوار إلى طاجيكستان في مواسم محددة للمشاركة في هذه التجارب، إلى جانب زيارتهم للمواقع التاريخية والطبيعية.
رسالة ثقافية إلى العالم
في نهاية المطاف، قدم مهرجان مهرجون في دوشنبه رسالة تتجاوز حدود الاحتفال بموسم الحصاد.
إنه احتفاء بالإنسان والطبيعة والتراث، ورسالة بأن التنمية السياحية الحقيقية لا تعني التخلي عن الهوية، وإنما يمكن أن تقوم على حمايتها وتقديمها للعالم بصورة عصرية.
وقد نجحت الجامعة الدولية للسياحة وريادة الأعمال في وضع هذه الرسالة في قلب المنتدى الدولي للسياحة المستدامة والتراث الثقافي، لتؤكد أن مستقبل السياحة لا ينفصل عن الماضي، وأن التراث يمكن أن يكون جسراً نحو التنمية وليس مجرد سجل للذاكرة.
وبين ألوان الفواكه والخضروات، وروائح المأكولات التقليدية، ودقة التطريز وروعة الحرف اليدوية، بدا مهرجان مهرجون وكأنه يقول للزائر: إذا أردت أن تعرف طاجيكستان، فلا تكتفِ برؤية جبالها؛ اقترب من إنسانها وتراثها وثقافتها.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة