د. قاسم بن محمد الصالحي |
نحن كثيراً ما ننظر إلى التمكين باعتباره لحظة وصول: منصباً يُمنح، أو مسؤولية تُسند، أو صلاحيات تتسع، أو بابًا يُفتح أمام الإنسان بعد سنوات من العمل والانتظار. غير أن التمكين، في جوهره، ليس لحظة الوصول؛ بل هو لحظة بدء الامتحان.
فالإنسان قبل أن يُمكَّن يسعى إلى إثبات قدرته، أما بعد التمكين فيصبح مطالبًا بإثبات حكمته.
ولعل في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: 41]، ما يضع أمامنا مفهومًا عميقًا للتمكين؛ فالآية لا تتوقف عند فعل «مكّنّاهم»، وإنما تنتقل مباشرة إلى السؤال الأهم: ماذا فعلوا حين مُكّنوا؟.
وهذا السؤال يصلح أن يكون قاعدة في الإدارة كما هو قاعدة في الحياة.
فالمنصب ليس غاية، والصلاحية ليست امتيازاً شخصياً، والقدرة على اتخاذ القرار ليست تفويضًا مفتوحاً للأهواء. كل صلاحية تقابلها مسؤولية، وكل سلطة تقابلها أمانة، وكل قرار يترك أثراً يتجاوز صاحبه.
وفي الإدارة الحديثة، لا يُقاس القائد بما يستطيع أن يفعله وحده، وإنما بما يستطيع أن يجعل المؤسسة قادرة على فعله بصورة أفضل. ولذلك فإن التمكين الحقيقي لا يصنع أفراداً متضخمة أدوارهم، بل يصنع مؤسسات أكثر قدرة، وفرقاً أكثر ثقة، وكفاءات تجد طريقها إلى المشاركة والتقدم.
وهنا تلتقي فكرة التمكين مع جوهر رؤية عُمان 2040؛ فالمستقبل الذي نريده لا يُبنى بكثرة المناصب، وإنما ببناء الإنسان، ورفع كفاءة المؤسسات، وتعزيز الحوكمة، وربط المسؤولية بالنتائج، وتحويل الطاقات الوطنية إلى قدرة مستدامة على الإنجاز.
والقيادة التي تفكر في المستقبل لا تسأل فقط: ماذا أنجزت خلال فترة مسؤوليتي؟ بل تسأل أيضاً: ماذا تركت بعدي؟.
هل تركت نظاماً أكثر كفاءة؟.
هل فتحت المجال أمام كفاءات جديدة؟.
هل جعلت القرار أكثر رشادة؟.
هل أصبحت المؤسسة أقل اعتمادًا على الأشخاص وأكثر اعتمادًا على النظام؟.
تلك هي الأسئلة التي تمنح التمكين معناه الحقيقي.
فالمناصب تتغير، والوجوه تتبدل، والصلاحيات تنتقل من يد إلى أخرى، لكن أثر الإنسان يبقى في المؤسسة وفي ذاكرة الناس وفي النتائج التي تركها وراءه.
ولهذا فإن أجمل تعريف للتمكين ليس أن تصبح قادراً على اتخاذ القرار، وإنما أن تصبح جديراً بعواقبه.
فحين يُمكَّن الإنسان، لا تنتهي الرحلة كما قد يظن البعض؛ هناك، تحديداً، تبدأ الرحلة الأصعب: أن يثبت أن السلطة التي وصلت إليه كانت في المكان الصحيح.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة