عمّان – العُمانية |
يمثّل وادي صبرا الأثري، جنوب الأردن، نموذجاً مصغراً لتاريخ منطقة البترا، بما يضمه من شواهد على طبقات حضارية متعاقبة تمتد من عصور ما قبل التاريخ إلى الحقبتين النبطية والرومانية، إلى جانب ما يكشفه من براعة الأنباط في استثمار الموقع والموارد المائية وخدمة طرق التجارة.
ويُعد الوادي من المواقع الأثرية المرتبطة بمدينة البترا، ويشكّل امتدادًا طبيعيًّا وتاريخيًّا لها، إذ كان محطة على طريق القوافل التجارية الذي ربط البترا بمدينة غزة على ساحل البحر الأبيض المتوسط.
ويقع وادي صبرا على أطراف جبل الجاثم الذي يرتفع نحو 1175 مترًا فوق سطح البحر، وأسهمت طبيعته الجغرافية ووجود نبع ماء دائم فيه في تهيئة الظروف للاستيطان البشري منذ عصور مبكرة.
وتشير المسوحات والتنقيبات الأثرية في المنطقة إلى وجود آثار للاستيطان البشري في مرتفعات جبال الشراة والوديان المحيطة بها منذ العصر الحجري القديم، فيما رُصدت في صبرا آثار تعود إلى مراحل من عصور ما قبل التاريخ، إلى جانب مواقع أثرية قريبة.
وشهد الوادي خلال الحقبة النبطية ازدهارًا لافتًا، مستفيدًا من موقعه على طريق القوافل الممتد من البترا إلى غزة عبر وادي عربة، وأقيمت فيه مرافق لخدمة المسافرين والتجار، إلى جانب أبراج للمراقبة ونقاط مرتبطة بحماية الطريق وتنظيم حركة القوافل.
ومن أبرز معالم وادي صبرا المسرح النبطي المنحوت في الصخر، الذي يعود إلى القرن الأول الميلادي، ويتألف من 11 صفًّا من المدرجات، وتقدّر سعته بما يتراوح بين 500 و800 متفرج، فيما يبلغ عرضه نحو 39 مترًا وقطره الداخلي 22 مترًا، ويُرجّح أنه استُخدم للاحتفالات والمناسبات الاجتماعية والعروض، واستمر استخدامه حتى أواخر الفترة الرومانية.
ويكشف الموقع عن تطور الهندسة النبطية في إدارة المياه، إذ أقام الأنباط نظامًا لتجميعها بالقرب من المسرح، مستفيدين من النبع الدائم في الوادي، إلى جانب سد أقيم في المرتفعات المحيطة للتحكم بمياه الأمطار والسيول، ما أسهم في دعم الاستقرار البشري في المنطقة.
وعلى الجانب الغربي من الوادي، وفوق موقع النبع، توجد أنقاض بناء ضخم يضم أعمدة كبيرة، يُرجّح أنه كان معبدًا نبطيًّا، كما يضم الموقع مقابر ومساكن منحوتة في الصخر، إلى جانب عدد من الشواهد الأثرية الأخرى.
وتحمل بعض صخور الوادي نقوشًا تعود إلى العصر البرونزي، فيما توجد في المنطقة رواسب وخامات معدنية، من بينها النحاس والحديد، ما يقدم مؤشرات على أنشطة مرتبطة باستغلال المعادن ضمن النشاط الاقتصادي في منطقة البترا.
ويشكّل وادي صبرا اليوم أحد المسارات التي تتيح للزائر استكشاف جانب من الإرث الأثري المحيط بالبترا، والتعرّف على المسرح والمنشآت المائية وبقية الشواهد المنتشرة في الموقع، بما يعكس امتداد النشاط البشري والحضاري في المنطقة عبر حقب زمنية متعاقبة.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة